Friday, October 31, 2008

‏الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏


أعرفُ أني لا أملكُ من العلم ما يسمحُ لي بمجرد التفكير في كتابةِ معني حرفٍ واحد من كتاب الله, لكني لا أكتب معنيً هنا ولا أدعي علماً ولا أطلب تصديقاً لما ستقرأون, فقط هي خاطرةٌ رأيتُ تدوينها لن يضر مع علمي أنه لن ينفعَ أيضاً فأنا أقلُ شأناً بكثير من أن أعطي علماً نافعاً خاصةً في مجال الدين. لذا أرجو منكم جميعاً تصحيح أي خطاٍ تجدونه ها هنا بلا إبطاء ولو كان خطاً إملائياً.

أيةٌ من كِتاب اللهِ الكريم هي, هي الأيةُ الثامنة عشر من سورة الزٌمٌر. سمعناها كثيراً سمعتُها كجزءٍ تقليدي من خاتمةِ خطبة الجمعة الماضية, فوجئتُ بإسترسال أفكاري, دعوني أشارِكُكم فيها

لننظر إلي لفظةِ القرأن الكريم يَسْتَمِعُونَ
سَمِعَ لفلان أو إليه أي إستقبل ما يقول بأذنيه و أدرك بعقله. إستمعه أو إليه أي أصغي و أنصت.
إختار الله عز وجل لفظةَ يستمِعون بديلاً عن يسمعون , ليوضح لنا أن الحالةَ هنا تتجاوز الإستقبال بالأذن بل و الإدراكَ بالعقل ,إنها أعمقُ من هذا, إنه الإنصات و الإصغاء, التركيز و التفاعُل. إستقبال,فهم,تحليل,إدراكٌ لما بين السطور وإستيعابٌ لما وراء الكلِمات. فقط عندما نكون في هذا الحال ونحنُ نتلقي ما يبثُ إلي عقولِنا عبر أسماعِنا و أبصارِنا نكون تحت مظلةِ حمايةِ من عقولِنا التي تنقي وتنقح ما يُمَرُر إلينا. ثُم إختيار الزمن المضارع , كلنا يعرف أن المضارع هو الإستمرارية, فلم يأتِ اللفظ إستمعوا وإنما جاء في حال المضارعة ليدل علي أنهم دائما ما ينصتون في حال التلقي.

نأتي بعدها للفظةِ القول
إنها ليست قولاً ليست منكرةً لتدل علي العموم, لكنها معرفةٌ تدل علي خصوص, لأنهم هم نفسهم من قال فيهم عز و جل "الذين هم عن اللغو معرضون".ان تعريف لفظةِ قولٍ هنا جاء ليدل علي أهميةِ هذا القول و أنه مضادٌ اللغو. فهم يستمعون - بكل معني الإستماع- فقط لما ينفعُ من الحديث ويُعرِضون عن ما لاطائل من وراءه من الكلام. إنظروا لعظمةِ ألفاظِ القراّن الكريم. هم ينصتون و يصغون ويعقلون بكل جوارِحهم ولكن فقط للقول الحسن وليس للغط الحديث فتخيلوا حجم الإستفادة لشخصِ لا يضيعُ وقته قط في سماع -ناهيك عن قول- ما لا فائدة من وراءه بل إنه-ذاك الشخص- يعطي كل مايملك من فهمٍ و إدراك ليعي خير الحديث.

ثم كلمة فَيَتَّبِعُونَ
ف- يا الله- الفاء دوناً عن كل حروف العطف. كلنا أيضا يعرف معني الفاء في حروفِ العطف. السرعة, المتابعة , لا فارق زمني تقريباً بين الحدثِ المعطوف وذاك المعطوفِ عليه. إنهم يستمعون, يدرِكون, فإذا ما إطمئنت قلوبُهُم لما إستمعوا من خير الحديث , بادروا بالتنفيذ فوراً بلا تلكأٍ ولا إبطاء.لا وقت لقياس المصالح, لا وقت للتفكير في منفعةٍ زائلة. لا خوف من إتباع ما أدركوا أنه صواب, لا تردد.

فَيَتَّبِعُونَ , يَتَبِع, ليست يَتبَع برغم أنهما نفس الحروف في نفس الترتيب ولكنها روعةُ لغةِ القراّن, العربيةُ التي ننتمي إليها ونحنُ عليها وصمةُ عار. يتبع بفتحِ الياء و التاء وكسرِ الباء هي صيغةٌ أدقُ و أقوي تعبيراً من نفس معني يتبع بفتح الياء وتسكين التاء و فتح الباء. كلتاهما تعني السير علي درب و إتخاذ المسلك الذي أخذهُ المُتَبع (إسمُ الفاعل). لكن الإتِباع من لفظةِ إتبع وليس من تبع . الإتباع يكون أغلب ما يكون للإمام, لننظر إلي المعني القراّني في ظل هذه الحقيقة. إن المولي سبحانه يصوِرُ لنا حال هؤلاء بأنهم عندما يستمعون فيدركون فيتبعون, فكأنما ما إستمعوه من هّدي الحديث أصبح إماماً لهم. يطيعونه بكل حذافيرِه و بصغِيريه قبل كبيرِه.

سبحان الله العظيم, أربعُ لفظاتِ هن الدقةُ التامة في التعبير و البلاغة المطلقة و أقصي ما يمكن أن يدرك بشر من جمال تركيب كلمات.
صدق الله العظيم.

Tuesday, October 28, 2008

سحابةٌ سوداء

حالة غريبة من الملل تنتابني هذه الأيام. أشعر بها تغزو روحي, تتسلل عبر ثنايا عقلي وحنايا نفسي كسمٍ ناقع. احسها تجذبني بعيداً رويدأً رويدأً لأصل إلي مكانٍ مجهول, لم تطأه قدما بشر من قبل, وهناك ستظهر لي وجهها الحقيقي , وجه مارد يأس قاتل. لتفتك بي في ظلمات نفسي ,هناك بعيداً ن كل من أستطيع الإستغاثة به. أعلم أن هذا ما سوف يحدث أستشعر مقدمها في نخاع عظامي, لكني عاجزٌ عن المقاومة غيرُ راغبٍ فيها. مستسلم لما هو أتٍ بلا إرداةٍ للنجاة, حتي ولو في صورة صرخة إستنجاد قبل أن يغيب عن ناظريَ كل ما أستطيع التشبث به لأبقي هنا لأبقي حياً.
يقولون أن هناك موت للمخ, وهناك الموت الذي نعرفه جميعاً أو الموت الإكلينيكي كما يسميه الطب. و بالقياس فلابد أن نعتقد في وجود نوع من أنواع موت الروح, موت الإرادة , موت النفس. لا أدري أيها أصح تسميةً, فليسمها كُلٌ بما شاء, لكنها بالتأكيد حالة وفاة.

شئ ما بداخلي يحتضر, ربما ينتحر, ربما يُقتَل الأن بينما أتكلم, لكني.. لا أبالي..

Monday, December 18, 2006

..ما كان.. ما هو كائن.. وماذا سوف يكون؟؟ محاولةٌ لإستقراء حاضر..واستشفاف مستقبل

إن ما يحدث حولنا الأن هو عملية قلب -بل إنقلاب- علي الموازين.. فما كان بالأمس القريب كسراً للقاعدة ونشوزاً عن المألوف أصبح اليوم هو المقبول بل والمتوقع و المنتظر. وأصبح الخروج عن الخروج علي القاعدة هو الشذوذ و الإختلاف غير المقبول ولا أبالغ إذا قلت بل و غير المفهومِ أيضاً..وكأن الناس تبدلت أو بالأحري إستُبدلت بقوم أخرين أتوا حاملين معهم معتقداتهم وارآءهم و نظرتهم للحياة وفلسفتهمُ التي لاتمت بصلة لما كانت عليه فلسفة من كانوا قبلهم.. وقبل أن أتهم بأني أدافع عن أرآء القدامي و أحمي حمي التقاليد.. وقبل أن يُعتقدُ أني أناقش تلك القضية البالية لتناقض الجديد مع القديم ورفض حاضرِنا لماضينا ونبذهِ له - كأنه مومس تتخلص من ماضيها بعد توبة - قبل كل هذا , أنفي عن نفسي هذه التهمة -وهي شرفُ لا أدعيه- فأقول, أني هنا أريد فقط أن ننظر إلي الأممِ من حولنا لنرى هل ما نحن فيه من إنقطاع صلةٍ لنا بالماضي -مع عِظَمْهِ قيمةً وحجماً- هل يعتبر هذا الإنقطاع وضعاً طبيعياً؟!! هل هي مرحلةٌ لا محيص من المرور بها في طريق تقدم الأمم والشعوب؟!! هل من نعتبرهم نحن الأن مُثلاً عليا و نجوماً دُريةً نهتدي بها, هل مروا بمرحلةِ الإنسلاخ التاريخي و التجرد من الهوية التي نمر بها الأن؟!! إذا كان هذا هو سبيلُنا الوحيد و الأوحد للتقدم و السير علي درب النمو, فتباً لتاريخنا بأكمله ولنكن أبناء يومٍ جديد. لم نر شمساً من قبل ولم نتنسم سوي تلكم الأنفاس التي أخذنها مذ إتخذنا قرارنا بأن نولد مرة أخري , بلا هوية بلا عنوان بلا إسم ولا علم ولا خبرةٍ من أي نوع.

إن ما نحن فيه الأن من تغير وتبدل في كل شئ وفي كل مجال وعلي كل مستواً هو نتاج طبيعي لجيل -بل عدة أجيال-جاءت إلي الدنيا لتجدنا هنا وهم هناك؛ جاءت لتجد أبائها بل وأجدادها قد أصابهم الجمود..توقفوا عن النمو والتطور اللذان هما سمة طبيعية في كل أمم الأرض. جائوا ليجدوا سنة الله معطلةً في أمتهم.. فلا نمو ولاتقدم ولا تطور..بل جمود وركود وتخلفٌ عن الركب..ونظروا إلي الضفة الأخرى فإنبهروا وإتسعت أعينهم دهشةً وحارت عقولهم في البحث عن سر هذه الفجوة وسبب تلك الهوة الساحقة التي تفصل مابين هنا -حيث يقبع أبائهم يجترون ماضياً ولي- وهناك حيث البهرج والزخرف, بل وحيث التقدم والنمو يمضيان علي قدم وساق كما سن الله في أرضه. هنا قد ينبري أحدهم ليقول -وله بعض الحقٍِ لا كله- أن هؤلاء الذين يرفلون في النعيم هناك ويخرجون علي الدنيا بجديد في كل لحظة.. قد قاموا علي أكتاف أجدادنا؛ علي علومهم و معرفتهم وتجارتهم.. بل وجاؤا إلي هنا ليستنفذوا كل خيرات أرضنا وعقولنا..وأن هذا هو سبب ماهم فيه اليوم ومانحن فيه أيضاً.وهنا أجيب, قطعا هم تعلموا من أجدادنا و بنوا مملكتهم علي أكتاف وعقول بل و أموال أجدادنا.. ولكن لاتحدثني عن هذا الأن.. ولا تتوقع من إبنك الشاب فهمه وإدراكه.. ولا تنتظر من إبنتك الشابة أن تعيَ و تقدر مثل هذا الحديث.. فهم -شبابنا- وأنا منهم - قد فتحوا أعينهم علي هذي الحياة ليجدونا هنا وهم هناك علي بعد قرونٍِِ من العلم والمعرفة والتطور..وكان لابد لهذا الشباب أن ينبهر وأن ينجذب وأن يتسأل , ثم يسخط ويغضب ويرفض, فيقُابل بالأستنكار ويُقَابَلُ سؤاله بألف حصار وغضبُه بغضب وسخطه بسخط..ولا يجد اللين إلا هناك ولا يجد المنطق والفهم إلا هناك ولا يجد إجابةً إلا تلك المقدمة من هناك مهما تكن ملفقةً مزورةً مزيفةَ..فيقبلها، ويأخذ من هناك ويتعلم من هناك ويتربي من هناك وتبني ثقافتة وفلسفتة علي أيديهم وتحت أعينهم.. شبابنا ليس مخطأ. وإن كان ,فخطأه الوحيد هو أنه أخذ أسهل الإجابات وأكثرها إتاحة وظهوراَ ولم يجهد نفسه في البحث ليصل إلي حق ويقين.وبعد كل هذا نتسال في غباء لمَ يتجه شبابنا إليهم؟ لمَ يؤمنون بهم؟ لمَ أصبح الأب أو الأم منا ينظر إلي ولده أو بنته فيجد نسخة حية من ذاك الفتي وتلك الفتاة الذان شاهدهما بالأمس في فيلم السهرة "الأجنبي" .و الإجابة, شبابنا ببساطة لم يجد بديلا هنا فأخذ المعروض من هناك.. بكل مايحويه العسل من سمِ زعاف.