Friday, October 31, 2014

تعليق

بالنسبة للفديو المنتشر بشكل مثير للشك مؤخرا الخاص بتطبيق حد زنا المحصنات (المتزوجات) على سيدة ما في مكان ما على يد من إدعوا الفهم الصحيح الأوحد (وهو ما لايوجد) للإسلام و تسموا بداعش.. حجم الزوبعة الإعلامية و المجتمعية وخاصة من خلال شبكات التواصل الإجتماعي إستفزني على المستوى العقلي و الأخلاقي و الإنساني و الديني.. مابين مدافع عن أن هذا من صحيح الدين ومؤيد ببلاهة لما حدث و بين مدافع بنية حسنة أنه ليس من صحيح الدين وأن من أسموا انفسهم الدولة الإسلامية لا يمثلون الإسلام في شئ و بين من تصيد في هذا الحدث مجالا جديدا للقدح في الإسلام.. أجد نفسي مفتقدا لصوت التعقل و الإنتباه وسط مجتمع إنساني عالمي فقد الوعي وتحول إلى قطيع من الأبقار المذعورة تتدافع فيما بينها فرارا من لاشئ حتي تهلك إحداها الاخرى..وبرغم عهدي على نفسي أن أتجاهل الحمق و أن احاول العمل جاهدا ب"إلزم عليك دارك" وسط فتن كقطع الليل.. إلا أني لم أطق سكوتا هذا المرة.. 

أولا: لايحق لمن أسموا أنفسهم داعش تطبيق هذا الحد أو غيره لأنهم و إن تولوا أمر جماعة من المسلمين بالقوة أو بقبول هذه الجماعة فهم ليسوا ولاة أمر عامة المسلمين في تلك البقعة من الأرض 

ثانيا: لتطبيق هذا الحد تحديدا شروط يفقها أهل الفقه و التشريع و يعلم عمومها بالضرورة عامة المسلمين.. فهل برهن من طبقوا الحد على توافر الشروط بما لا يدع مجالا للشك؟  أم هل إعترفت السيدة وطلبت تطبيق الحد على نفسها؟ 

ثالثا: هل هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها هؤلاء بتطبيق حد من الحدود؟ (بغض النظر عن شرعية هذا التطبيق من عدمها)  فلماذا هاج الإعلام و ماج في هذا الحد تحديدا؟ ما الهدف من وراء تصوير وعرض الحدث هذه المرة؟ أهو نوع الحد؟ أم هو توقيت النشر؟ هل هي مصادفة أن يختار حد الرجم تحديدا للعرض و الترويج الفج بهذه الطريقة؟ 

رابعا: هل إذا إنطبقت الشروط أو إعترفت السيدة و كان زمام الأمر مستتبا لولاة الأمر في بلد أخر أو زمان أخر, أي هب أن الزمان زمان العباسيين مثلا.. هل تطبيق هذا الحد عند توافر الشروط و بيد ولي الأمر من الإسلام؟؟ و الجواب على قدر علمى المحدود..نعم.. إذا إنطبقت الشروط وتولي ولي الأمر تطبيق الحد كان هذا من صحيح الإسلام..

خامسا: مما سبق في رابعا إذن فإنه لكل المتشدقين و المتغنيين بحقوق ال..إنسان.. يبدو في ظاهر الأمر أن الإسلام  دين الوحشية و الهمجية و الرجعية وغيرها من سئ الصفات مما يتغنى به الجهلاء طوال الوقت..و مما اصبح مصدقا للأسف الشديد عند عوام المسلمين بل و بعض خاصتهم.. 

السبب الرئيسي في هذا الفهم الذي أزعم  أنه قاصر هو الترويج الإعلامي لقسوة الحد قائما بذاته.. الإعلام المنقاد أحيانا و المأجور في معظم الأحيان يبرز فقط القسوة و الغلظة في حد مثل هذا الحد- وهو حقا من أشد الحدود و أكثرها غلظة في الإسلام على قدر علمي - لكن هؤلاء لا يحاولون النظر للحد في إطار الدين ككل لأن هذا لا يخدم أهدافهم و أهداف من إستأجرهم . فهذا الحد-وغيره- جزء من كل متكامل وهو لبنة في بناء وهو فرع من طريق متشعب.. ولمحاولة فهم هذا الحد في إطار الكلية و الموضوعية علي المستوي العقلي و الأخلاقي يجب النظر بشمولية لكل ما يتعلق بما يسمي اليوم بالأحوال الشخصية و ما يعرف في الإسلام على قدر علمي بفقه الزواج و الأسرة.. لا أن يستقطع الحد من جذوره ويعرض لمجرد تخويف من لا عقل له..

لنضع جانبا قناع الرهافة المطلقة و التشدق الزائف بالحب المطلق للبشرية جمعاء ونناقش الأمر في عقلانية بحتة من خلال بضع نقاط في شكل إثبات منطقي و إستنتاج شبه رياضي ليسهل علينا الفهم.

1-  متي يطبق حد الرجم في حالات الزنا؟ ولا أتكلم عن شروط التطبيق هنا بل عن وجوب الحد عموما..
 لا يجب حد الرجم فيما أعلم إلا على الرجل أو المراة المتزوج أو المتزوجة..أي أن هذا الإنسان (رجلا أم سيدة) له شريك شرعي في حياته. و جزء من دور هذا الشريك هو تلبية الإحتياجات العاطفية النفسيةو الجنسية لشريكه. و هكذا عن طريق قناة شرعية مقبولة يجد الرجل و المرأة من يلبي رغباتهما و إحتياجتهما ويشبع الغريزة الطبيعية الموضوعة في البشر. 

2-ما الذي يدفع رجلا أو إمرأة لهما شريك حياة شرعي, للبحث عن ما يحتاجان خارج نطاق هذه العلاقة المنظمة؟
 أعتقد أن السبب المنطقي من وجهة نظري أن الشريك لا يفي بما يحتاجه شريكه على أحد المستويات..عاطفيا أو جنسيا, لذا يبحث الشريك عن من يلبي هذه الحاجة سواء عن طريق التعمد و السعي أو عن طريق قبول ما قد يعرض له أو لها من قبيل المصادفة.

3- هل الخروج عن إطار الشرع والعلاقة الزوجية المقننة شرعا هو السبيل الوحيد لإشباع الحاجة المنقوصة التي لا يكفي فيها الشريك شريكه أو شريكته؟؟؟
 لنتسأل بيننا و بين أنفسنا, هل الخيانة هي سبيل الإشباع؟ هل هذا القبح و الفحش هو الحل؟ أن يذهب الرجل و يترك زوجته بالمنزل ليزني بأخرى لا تحل له؟؟! أو أن تأتي المرأة بمن يحل محل زوجها في فراشه؟؟!!
 أندرك مدي قبح الذنب على المستوي الأخلاقي الإنساني؟؟  هل تخيل أحدنا زوجته في فراش غيره؟ أو تصورت إحداكن زوجها يعطي غيرها من نفسه ماهو لها فقط؟!! هل أحسسنا ببشاعة أن يفضي بعضنا إلى غير بعض ما أفضاه لشريك عمره؟!! والله إن حجم الجريمة لعظيم.. وبشاعتها مما يثير التقزز في النفس السوية

4- هل يفتقد الإسلام من القواعد و الأصول و الأخلاقيات ما يجعل حياة أحدنا مع شريكته أو إحداكن مع شريكها جنة في الأرض إن إتقينا الله جميعا؟ والله ,قسما أحاسب عليه ,أن ما في فقه الأسرة و الزواج لكاف لجل بيوتنا روضة من رياض الجنة إن فهمناه حقا و طبقناه صدقا.. ولمن يتشكك أقول أرجو منك و منكِ أن تقرأ و تسأل و تتعلم قبل أن تحكم على صدق أو كذب هذا الزعم. 
إن أطعنا الله في نساءنا و أطاع الله نساؤنا فينا فاكاد أجزم ان حد الرجم لن يدخل حيز التنفيذ أبدا. فهذا الدين يهتم براحة الإنسان في هذا الأرض كإهتمامه براحته في دار البقاء..لأن الإسلام هو دين المنطق, ولأن الله هوا الصانع و هو يعلم سبحانه أن ما صنع بيده له حاجات وله رغبات و له غرائز وضعها هو سبحانه فيه..فكيف يظلمه (واحاشاه) بأن يحرم عليه ما وضع بذاته في تكوينه؟!!! 
لكن هذا الدين إنما يسعى للتنظيم و التقنين والترقي.. ولهذا كان الزواج و كان له ما له من القدسية و الحرمة في دين الله.. ولهذا كان في الإسلام من القواعد والإرشادات و النصائح و المسائل الفقهية المتعلقة بالزواج نصيب كبير. هدفها جميعا أن يهنأ الإنسان مع من إرتضى لنفسه و إرتضت لنفسها شريكا.. حتى لا يجد الشخص نفسه محتاجا للبحث عن إشباعه خارج إطار هذه العلاقة المقدسة. و إن فسدت هذه العلاقة بشكل أو بأخر فإن في الإسلام من القواعد و الإجراءات ما يسهل و يبسط و يشجع ويحبذ بل ويكافئ على إصلاح هذه العلاقة و إستمرارها بما يضمن رضى الشريكين معا.

5- لنفترض إذا حالة من حالات الزواج حيث لا يتبع الشريكين المسلمين قواعد الإسلام التي تؤدي لسعادة الشريكين.. ولنفترض أن هذا قد أدي إلى فساد هذه العلاقة بما لا يمكن إصلاحه حتى بإتباع ما نص عليه الإسلام نفسه ليساعد الإصلاح.. في هذه الحال يكون الشريكين أو أحدهما على الأقل غير مشبع الحاجة أو الرغبة.. فما الحل في هذا الوضع؟ الحل يقدمه الإسلام للرجل و المرأة إذا فسدت العلاقة الزوجية بما جاوز الإصلاح.. فللرجل الطلاق و للمرأة ما إصطلح على تسميته الخلع.. إذا فالإسلام يقدم في إطار شرعي حلا لإنهاء العلاقة حال فشلها. وحتى هذا الحل له شروطه و ضوابطه التي تحكم كيف ينفذ بما يحافظ على حقوق الطرفين.. وحتى في إطار هذا الإنفصال يذكر القرآن "ولا تنسوا الفضل بينكم".. 

إذا للتلخيص : 
لا يطبق حد الرجم إلا على متزوج
الخيانة هي عين القبح و الفجور و الفحش على المستوى الأخلاقي و الديني
يقدم الإسلام الزواج كطريقة شرعية لبناء إسرة يكون فيهاجزء من واجبات كل شريك إشباع حاجات الأخر
يقدم الإسلام من القواعد ما يضمن -إن إتبع- مستوى من الرضى للشريكين يغني عن البحث خارج العلاقة الشرعية و يقى من الضعف أمام المغريات الخارجية
يقدم الإسلام من القواعد أيضا ما يعيد العلاقة إلى مسارها القويم المرضى للطرفين حال حدوث مشكلة تفسد هذه العلاقة المقدسة. 
يقدم الإسلام طريقا شرعيا للخروج من العلاقة الزوجية في حال فشلها التام
يقدم الإسلام ضمن قواعد الزواج طريقا شرعيا لإنشاء علاقة زوجية جديدة أو حتى إحياء علاقة زوجية إنقضت تحت شروط معينة
الغلظة في حد الرجم غرضها الترهيب " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما " .فكما كانت الجريمة من أقذر ما يمكن كان العقاب من أشد ما يكون خاصة ولا مبرر لها ولا يمكن أن يجبر أو يكره إنسان على خيانة شريكه

بالله عليكم , بعد هذا كله ما حجة من ترك كل ما أحل الله و ذهب بنفسه و بإختياره ليرتكب جريمة الخيانة الزوجية؟!!! أليس من العدل و الحق أن يكون العقاب على قدر الجريمة! لم يفرض أحد على من يخون أن يخون.. 
إن كان له أو لها حاجة لم تشبع في زواجه فله أن يخرج منه و ينشأ غيره في حلال الله و لها أن تخرج منه و تجد من يرضيها في طاعة الله..لكل ما سبق فأنا على المستوى الإنساني أجد حد الرجم مقبولا عقلا و ضروريا أخلاقيا. 

تبقى نقطة واحدة وهي أن من إختار الإسلام وجب عليه أن يؤمن به كلية بتمامه ليس بأن يختار منه ما يراه يصح و يترك ما يراه لا يصح و يعتبره ليس من الإسلام.. قبل أن تشهد أنه لا إله إلا الله و أن محمد رسول الله إعلم أن حدود الله هي جزء لا يتجزأ من دين الله فإقبله كاملا في قلبك أو إلفظه كاملا من نفسك و الإسلام بخير بك أو بدونك و بي أو بدوني..  

Thursday, June 05, 2014

Saturday, September 22, 2012

خواطر النفس: الإرادة - إرادة الفعل : الأول - الفكر و الفكرة

- مقدمة

كيف نريد؟ و لماذا نريد ؟ و لما نريد هذا الشئ أو ذاك أو هذا الشخص او ذاك تحديداً؟! و لما نأنف من هذا أو ذاك؟! و لما نُقبل على فعل معين و نأبي غيره ؟ لما نَقبل مايماثل أو يشابه ما نرفضه؟ و لما نرفض ما قد قبلنا مثيله من قبل؟ 
أين يقع مركز الإرادة في المخ البشري؟ أهو هناك في البدء أم أنه مندمج و مدمج في مركز الغموض الأعظم..الروح؟!! 

ما هو مصدر الإرادة الإنسانية؟ كل الإرادات البشرية..إرادة الحياة  و الموت.. العطاء و المنع.. حفظ النفس و النوع.. أهذه كلها إرادات أم غرائز؟  و إذا كانت غريزة, فكيف يخالف المنتحرون مثلاً غريزة الحياة؟! بل كيف يخالفها من يضحون بأنفسهم من أجل الاخرين؟!! أليس من تعريف الغريزة شبه إنعدام القدرة على مقاومتها؟! -و إن أمكن تقنينها و تشريعها دنيوياً و دينياً.

إذاً فإرادة الحياة ليست غريزة وإلا لما أمكن مقاومتها.. فهي إرادة و ليست غريزة. ولإنها إرادة فإننا نحتوي بداخلنا-كوننا بشراً- الإرادة المضادة لها.. و القدرة علي تفعيل إحداهما علي حساب الأخرى.. هكذا يختار البعض الحياة و يختار الأخرون الموت..

- إرادة الفعل: العصا السحرية 

هذه القدرة علي التفعيل هي الإرادة العظمى..سر البشرية الأعلى و الأقدس.. لغز الألغاز و الطلسم الأكبر..
إرادة الفعل..القدرة السحرية الممنوحة للبشر دون غيرهم من المخلوقات على أن يتخيروا من مجموعة واسعة و متضادة من الإمكانات و الإحتمالات ليضعوا ما يشاؤن منها قيد التنفيذ ويلقوا ما يريدون التخلص منه وراء ظهورهم.. و إرادة الفعل منظومة متكاملة معقدة التركيب بطبعها و متراكبة الطبيعة.. و هي كغيرها من منظومات البشر المعنوية و الحسية في حال تفاعل دائم داخلياً و خارجياً.. لكن المدخل الوحيد الممكن لفهم منظومة الفعل و التفعيل هو أن نتتبع التسلسل المنطقي للمادة الخام للفعل ألا و هي الفكرة..من حيث تنبت أو تنشأ و من حيث هي المجرى الأولي للفعل.. 


 - كيف تكون الفكرة؟

 تجتاح عقولنا و أفئدتنا في اليوم آلاف- بل و للبعض ملايين- الأفكار..تيارات و شلالات و فيضانات من الأفكار.. من نهر إلى نهر و من نهرِ إلى بحر و من بحر إلى حيز أوسع في محيط العقل. تنساب أفكارنا كل يوم متقلبة من جريان الفيضان إلى ركود المستنقعات..منابعها كمنابع النيل معلومة لنا جزئياً أحياناً و غامضة كليلة حالكة في معظم الأوقات.

 من منا يجزم أنه يعلم من أين تنبع أفكاره؟! أنا لا أعلم من أين تنبع أفكاري و لا متي تثقل سحبها لتمطر في داخل عقلي. لا أدري كيف ولا من أين و لا لما تتكاثف تلك القطرات و اللمحات من الحياة اليومية لتكون غيوم الأفكار الثقيلة.. لتحجب شمس المعتاد عن نفسي ثم تمطر.. تمطر بَرَداً حيناً و كِثفاً من الثلج حيناً.. و تمطر أمطاراً إستوائية شديدة الحرارة و أخرى رعدية تتصادم فيما بينها وتُبرِقٌ و تُرعِد..لكنها دوماً تهطل في غزارة كسد إنهار فجأة.. تجرف في طريقها كل الموانع البدائية من الوعي..التقنيين..التشريع..العلم..وأحياناً التدين.

 تعيد أفكاري في طريقها رسم خارطة كياني..تغير من مواقع الأنهار و البحار و المحيطات.. تعيد تشكيل تضاريس نفسي و روحي. مع كل سيل عارم من أفكاري أغدو إنساناً اخر.. تختلف طبوغرافية شخصي و شخصيتي بل و عقلي و نفسي.. أصبح كياناً مختلفاً بقدر الإختلاف بين طبيعة السيل الأخير وذاك الذي سبقه..وعلى حسب نوع الأفكارالمسيطر في السيل الأخير..فإذا بي أتحول من حال إلى حال و أتقلب بين الشئ و النقيض..فإن كان المطر الأكثر غزارة في السيل الاخير ثلجاً.. فنفسي إلي جمود..و إحساسى إلى سكون..وروحي إلى سلام..برداً و سلاماً.
أما  إن كان السيل الأخير إستوائياً حاراً كان الزخم و الإندفاع ديدني.. و إذا كان السيل رعدياً متقلباً تتصارع فيه الأفكار و تضطرب كنت انا في حال التضاد مع النفس. تناقض أقوالي أفعالي و تتردد بي الخطي بين يمين ويسار متخبطة تخبط الأفكار المصطرعة في عمق الإعصار الضارب في أطناب عقلي..أنقاد مرة للأمام و أخرى للخلف بين إقدام و إِحجام و إنطفاءِ و إشتعال..

لذا فالفكرة في الإنسان هي أصل القيادة.. و هي في ذات الوقت الهدف. سواءً كانت هدف التحقيق أو هدف التجاهل أو مستدهفةً للقضاء عليها. هكذا كان نتاج التفاعلات بين الأفكارفي طرف  و القيود و الحدود و القوانين في طرف أخر و إنصياع أحد الطرفين للأخر و إنصياع الشخص لأحد الطرفين و العديد من العوامل الأخرى, نتاج هذا كله هو الفعل.. من هنا كانت الفكرة هي المادة الخام للفعل وأصله..

-  الإنتقاء الفكري - الظهور الأول

في وسط هذه التيارات المتجانسة حيناً و المتصارعةِ في أغلب الأحيان من الأفكار, تتكشف للإنسان قدرة غير إعتيادية علي الإنتقاء..وهي الخطوة الأولى في عملية طويلة تسمح لهذه الفكرة بالذات أو تلك بالتحديد أن تُحدث التأثير المقدر لها سلفاً.
الإنتقاء هو المرحلة الأولى لإرادة الفعل من حيث أنها منظومة معنوية مغلقة, وهو الإفراز أو الإنتاج الأول لها كناتج نهائي من حيث هي نظام تفاعلي مع عالمها الخارجي و هو الإنسان..و بعبارة أخرى فإن الإنتقاء هو الخطوة الأخيرة في بحور الفكر و الخطوة الاولى علي أرض الواقع الداخلي للإنسان توطئة لتخرج الفكرة بعد معالجتها  إلى عالم الواقع الخارجي للإنسان فتظهر في صورة التأثير المباشر و غير المباشر على غيرها من مكونات الواقع..

-الإنتقاء الفكري- الأصل و الأثر

لما قد يختار أحدنا أن ينفذ فكرة ماخطرت له  دوناً عن فكرة  أخرى؟! لما لم يختر تلك الشبيهة بها؟! أو هذه المعارضة لها؟! لما نشعر أن أفكاراً معينة أقرب لشخصيتنا أو شخصنا؟! لما قد ننتقي فكرة بعينها لنفتح لها الباب لتثبت قدرتها على الفعل؟! ما هي شروط الإنتقاء الفكري؟  و ما هي طرقه ووسائله؟ والسؤال الأهم  :هل تختلف ميكانزمات الإنتقاء من شخص لأخر؟؟ وتبعاً لأي عوامل؟؟  

بالحكم على التأثير و الناتج الواقعي للأفكار التي يتم إنتقاءها للتحول إلى أفعال صادرة من مختلف أطياف البشر لابد لنا أن نستنتج أن مصدر الإختلاف هو إحدى إثنين أو مزيجهما معاً بتفاوت النسب. أولهما هو طبيعة الأفكار التي تخطر لشخص بعينه. أي المجموعة المعروضة من المواد الخام الصالحة للتفعيل عن طريق منظومة إرادة الفعل والتي خطوتها الاولى كما اوضحنا سابقاً هي الإنتقاء. و ثانيهما هو طبيعة و طرق و معايير الإنتقاء التي يتقيد بها الشخص في إختيار الأفكار التي يحولها إلى أفعال. و الأمر بسيط لكني من باب التوضيح أضعه في شبه المعادلة التالية :

1- (أفكار + معايير إنتقائية) (تمر بعملية التحول) = فعل
2- فعل + بيئة إستقبال = تأثير 

فإذا كان الناتج النهائي للمعادلة الأولى وهو الفعل يختلف من شخص لأخر, فمن المنطقي أن نستنتج أن مدخلات المعادلة (أحدهما أو كلاهما) يختلف من شخص لاخر. و لتحديد أي المدخلين هو المختلف أو علي لاقل تقدير الأكثر إختلافاً من شخص لأخر دعونا نحلل معاً أحد مدخلي المعادلة و هو الأفكار.
بإختلاف المادة الخام للفعل -وهي الفكرة- من شخص لأخر تختلف تبعاً لها الأفعال التي هي الأفكار في شكل المنتج النهائي الذي نتمكن من ملاحظة تأثيره في العالم الواقعي الملموس. لكن الأفكار بكل أنواعها -وهي في الاصل من نسيج واحد- ليست محصورة أو مقصورة على شخص بعينه وهي ليست محددة الإتجاه أو محدودة القدرة.أي أن كلاً منا يستطيع خلق وتجسيد كل أنواع و أنماط الأفكار, كما أن كل أنماط الفكر تمتلك القدرة على فرض الوجود داخل عقول البشر على اختلاف طبائعهم و طباعهم. فلا حدود لما قد يخطر ببال البشر من أفكار. فبإمكان أي منا أن يحتفظ بداخله بأفضل الافكار و أكثرها خيرية -طبقاً للمعاير البشرية للقياس, بإختلاف هذه المعايير نفسها تبعا لعوامل أخرى- و بإمكان الشخص ذاته أن يخلق أو يُعيل أو يحتضن أسوء الأفكار و أكثرها شراً و أحطها قدراً. 
لذا و بناءً على الاساس المنطقي  الذي أقمناه في الفقرة السابقة و القائل بأن المادة الخام من أفكار متاحة بكل إحتمالاتها لجميع النوع البشري, و بجمع هذا البناء المنطقي مع الملاحظة السابقة عليه و القائلة بأن أفعال البشر تتباين تبايناً صارخاً، لا يبقى لنا إلا إستنتاج أن السبب الرئيس في هذا التباين هو الإختلاف العميق في مقومات الإنتقاء الفكري و أنماطه بين فرد و أخر. مما يجعل من فهم عملية الإنتقاء الفكري حجر الأساس و ركن الزاوية في فهم التفاعل البشري من خلال فهمِ أعمق و أدق لعملية التفعيل من خلال منظومة إرادة الفعل..  







Sunday, September 25, 2011

تغريب

لا شئ يؤلم حقاً كيدٍ تُربت على كتفك و أنت في تلك الأحضانٍ فقط لتعرف حين تفتح أعينك أن اليد لك و ذراعاك يحضتناك...

Thursday, December 23, 2010

حاضر

حاضر
حاضر
حاضر
حاضر
حاضر
حاضر
حاضر
حاضر

Wednesday, December 22, 2010

هلوسة..جماعية

يُملأ بياض الفراغ بألوان صارخة أحياناً و قاتمة في معظم الأحيان..
 تضيق الحلقات من حولي..
 تختفي المساحات ..
تنكمش الرحابة..
تتساقط الأوراق..
تخفُت الإضاءة ..
تجف الورود..
تذبل الشمعة..
 أختنق..

كل تعبيرات الفناء..النهاية..الخواء..العدمية..العبثية..تحتشد في سحابة دخان رمادية تملأ جوفي ..ليست سوداء..رمادية.. حتى أخاف أن أفتح فاهي خشية أن تخرج..

تتجمع عبرات صغيرة في أركان عيوني, تأبي التساقط متشبثة ببقايا كبرياء كان..

لكني إذ أنظر حولي مستنجداً.. أجدُكِ هناك علي البعد..لا لستِ بعيدةً أنتِ.. لكنكِ أيضاً لستِ بقربي ..

أُشيحُ بوجهي عنكِ ..أبحث عن الأقرب..أقلب عيناي في كل إتجاه..أتطلع عبر ما بقي من مساحات البياض..أُحاول إختراق القواتم ببصري أو بصيرتي..لكني دائما ما أفشل..دوماً لاشئ هناك..لا أحد....ألمحُ إبتسامة الشماتة الخبيثة على شفتيكِ..أرى تعبير "ألن تتعلم أبداً ؟" يرتسمُ ساخراً علي و جهِك.. لكم أبغض هذا التعبير, بغضي للإستسلام..

حسناً.. لا فائدة.. أنظر إليكِ مستغيثاً.. أُقر ألا سوانا ها هنا.. تتحول إبتسامتكِ إلي بسمة مشفقة.. أراكِ تمُدين ذراعيكِ لتضمينني..

لكنك تفشلين..لا مفاجأة هناك..
 فأنتِ دوماً ما تفشلين في الخروج من المرآة..
صورتي العزيزة في المرآة ..أشكُر لكِ محاولة الإنقاذ علي كل حال.. 

Monday, December 20, 2010

قصاصة


حسن .. انتهت قصة الحب .. ها هي ذي تدخل ورشة ذكرياتي لإعادة تدويرها حيث يتم الاستفادة بكل شيء منها .. سيتم تفكيك (......) تماماً.. منها ما يصلح ليضاف إلى كومة حكمتي .. ومنها ما يصلح نواة لقصة جيدة .. ومنها عقد نفسية طازجة أضيفها لكومة عقدي .. بعض الأجزاء من وجهها تصلح لتكوين تمثال لفتاة (أريد أن أحبها) لو قابلتها يوماً ما .. بعض الأجزاء سيضيف تجاعيد لوجهي أو شعيرات بيضاء في رأسي .. هل بقى ما يكفي لقصيدة ؟.. لا أظن .. أما ما بقى فيصلح للسرد على مسمع صديقي (أيمن الجندي) في أمسية حزينة ونحن نمشي في شارع البحر .. الخلاصة أنني سأستفيد بكل شيء من هذه القصة .. أما الآخر فقد أخذها هي ذاتها فقط ... يا لي من محظوظ !!


جميع قصاصات دزأحمد منقولة من هذه المدونة 
http://ahmed-khaled-tawfik.blogspot.com/

Sunday, December 19, 2010

من الألم ما لذ

وحدتي
ضاقت بوحدتنا
وضاق عنها توحدنا..

ضجرت بي
تركتني..
ورحلت وحيدة..

وبقيت أنا..
 أنا و  وحدتي

الجديدة..

Thursday, December 16, 2010

I believe in a Wiki Life

Imagine a world in which every single person on the planet has free access to the sum of all human knowledge.
—Jimmy Wales, Founder of Wikipedia


click the post title for donations.. I bellieve these ppl r worth it, think of it as the price of one more Burger-King meal that U ddn have time to eat.

إلتقاط

- مستعد؟
- ولن أكون
-هل إختبرت مظلتك الرئيسية؟ 
- ولن تعمل
- تأكدت من وجود المظلة الإحتياطية و أنها بحالة جيدة؟
- ولن أجدها وقتئذ
- تشجع, لقد تدربت بما يكفي. بل إن كل ما مررت به من قبل قد كان تجهيزاً لهذه اللحظة. تذكر..ثلاث عشرة تجربة ليست بالعدد الهين
- و لن أنجح
- المسافة ليست بهذا البعد حقاً, حتي في أسوأ الإحتمالات ستنجو , لن تصاب إلا ببعض الجروح العميقة والكسور وربما شرخ أو إثنان
- و لن تلتأم أو تشفى أبداً
- أجبُنت؟ أم تُراك نسيت لما أنت هنا في المقام الأول؟
- و لن أتذكر
- أهو التراجع؟
- ولن أتقدم
- خالد.... إقفز

 ومازلت أسقط.......   

Thursday, December 09, 2010

قصاصة

المرأة الخيالية أو الحالمة هي الجحيم ذاته ..

لأنها لن تجد من تبحث عنه أبداً..

لن تجد فارسها وسوف تكتفي بتعذيب البائس الذي رضيت به ..

Wednesday, December 08, 2010

قصاصة

أحيانًا أرى حياة البشر مجموعة من الصراصير تتصارع في حمام ..
يتسلق أحدها الجدار أو السيفون فيهتف الجميع: لقد نجح !... لقد بلغ أرقى المراتب !..
ثم يتلقى ضربة بشبشب فيبكونه ويتحدثون عن الأقدار والفقيد الذي خسرناه !

Tuesday, November 30, 2010

سؤال




سؤال..بسألك إيه آخرة الترحال وسهر الليالي وكل يوم بحال


سؤال..بسألك ايه اخرة الاحزان دمعتي موالي و الحنين قتال


سؤال..بسألك إيه آخرة الأحلام ليلاتى واخدانى فى بحر من الأوهام


سؤال..بسألك إيه آخرة العذاب..... تاعبني سؤالي ياريت ألاقي جواب
ياريت ألاقي جواب
ياريت ألاقي جواب
ياريت ألاقي جواب
ياريت ألاقي جواب
ياريت ألاقي جواب
ياريت ألاقي جواب
ياريت ألاقي جواب
ياريت ألاقي جواب
ياريت ألاقي جواب

Wednesday, October 20, 2010

حنين

لا أدري لما ينتابني الحنين نحو دفاتري القديمة بكثرة هذه الأيام؟! كل دفاتري القديمة..

أحن إلي دراستي القصيرة للغة الإيطالية بالذات!! أعرف أن الفن الإيطالي غير الأوبرالي ليس منتشراً إلي هذه الدرجة, على الأقل مقارنة بصنوه الإسباني أو اللاتيني, لكني أستمتع جداً هذه الأيام بسماع القليل الذي إستطعت أن أضع يداي عليه من الأغنيات الإيطالية و أستمتع أكثر بإستعادتي البطيئة جداً للقليل الذي أعرفه من هذه اللغة الرشيقة.

أغنية واحدة مرت بي مصادفة منذ أقل من السبعة أيام, لا أدري لما هزت أعماقي حين سمعتها, لم أكتشف أنها أغنية إيطالية إلا من خلال محاولاتي الخرقاء لترجمتها من الإسبانية إلي الإنجليزية!! منذئذ و أنا أبحث كالمحموم عن كل ما إستطعت الوصول إليه من أغنيات إيطالية لنفس المغني و المغنية المصاحبة له في تلك القطعة الفنية الرائعة..حاولت الحصول على ترجمة ولو نصف جيدة لها لكن google و لأول مرة خذلني, حاولت حتى الحصول على كلماتها باللغة الإيطالية و محاولة ترجمتها بالجهود الذاتية! إلا أن google -و ياللعجب!!- خذلني للمرة الثانية. يبدو أن على إجادة الإيطالية لأتمكن من ترجمتها بنفسي!! و ساعتها, لن أشارك google بترجمتي.

أحن أيضا -صدق أو لا تصدق- إلى أيام دراستي بالكلية!! اصابني الذهول حين أدركت هذا, فلم يحدث قبلاً قط أن إنتابني هذا الشعور منذ أنهيت دراستي مما يجاوزالأعوام الست. لكني الأن أحن إلى لمة الصحاب بكافيتيريا الكلية, أحن إلى مبالغات معتز و حديثه غير المنقطع الذي طالما أصدع رؤوسنا, أحن إلى حملات الصيد الذئبية التي تشاركت فيها مع حاتم و وائل. أحن إلي المنافسة الصامتة أحياناً و الجلية أحيانا مع أحمد صديقي و قريني اللدود. أحن إلى إرتداء بنطالي الDiadora الازرق الذي طالما تلقيت النكات بشأنه مبتسماً.
أحن إلى حالة "هرش الدماغ" التي كانت تنتابني أثناء محاولاتي المستميتة -التي تنتهي غالباً بالفشل - لإستيعاب الكم المفاجئ من المعادلات الرياضية الذي ينسكب على رأسي في محاضرات الرياضيات. أحن إلى الحديث الهامس الذي لم يكن خفياً إلي هذه الدرجة مع أصدقائي و نحن جلوس نتململ من الملل في محضرات الإحصاء و اللغة العربية و الإنجليزية و ال Data Structure و الشبكات و ال NLP و ال knowledge Base.



بل إني أحن احياناً إلي الحديث الصامت معها بطريق الكتابة المتبادلة على قطعة ورق مازلت أحتفظ بها ضمن ما أحفظ في صندوق ذكرياتي الأزرق الصغير.......



أحن إلى إحساس البراءة الذي كانت بقاياه مازالت تملأ من نفسي الكثير وقتئذ..

أحن إلى إحساس الإنبهار و متعة أن تتعلم شيئأ جديدأً و كأني أحد الرجال الخارقين (X-men) و قد إكتشف للتو قدرة جديدة لم يكن يدرك انه يملكها..

أحن إلى إحساسي الساذج بقدرتي على السيطرة على مجريات حياتي أو على الأقل التخطيط لها لتسير كما أردت أو كما إعتقدت أني أريد..
كم تبدو بعيدةً غاليةً تلك الأيام.."لو أني فقط عرفت و قتها ما أعرف الأن"...
أحن إلي ساعات و ساعات قضيتها في الحديث عبر الإنترنت و إمتلاكي القدرة و الوقت و الصبر و السعة النفسية و العقلية لمتابعة كل شاردة و واردة تمرق أمامي عبر شاشة جهازي.
أحن كثيراً إلي "ركض الثعالب" الذي طالما أتقنته و تفننت فيه رغم تفاهة الموضوع في معظم الأوقات..

يبدو أني لابد أن أعترف أني رغم سعادتي بالحاضر بحلوه و مره و رغم أن حاضري أقل مرارة في كثير من النواحي , أعاني الحنين إلي الماضي..أيضا بحلوه و مره..

Thursday, October 14, 2010

تنهيده

بذكر من زمان كان عنا جيران

وكانت بنتهم متل الزهرة الخلقت بنيسان

بذكر من زمان كان عنا جيران

وكانت عشباك الدار تنطر عشباك الدار وكان في صبي يحكي الصبي وأنا غار
بذكر من زمان انطرها زعلان وهي تغفى عمخدتها وتنساني سهران وبذكر من زمان انطرها زعلان

بذكر من زمان كان عنا جيران وكانت بنتهم متل الزهرة
الخلقت بنيسان بذكر من زمان كان عنا جيران

هبت ريح العمر وطار متل الكذبة صرنا كبار

عن هالغربة وعمر الغربة يا ريت تأخرنا نهار

بذكر من زمان كانت الي وكان

يحملنا عجناحه حكاية ويطير الزمان

بذكر من زمان كانت الي وكان


جوزيف صقر -زياد الرحباني

Tuesday, September 28, 2010

ذهول

عندما كنت قبلاً أُفكر في الأن لم أكن لأتخيل في أجمح خيالاتي أن أكون هنا..مكاناً و زماناًو شخصاً وأشخاصاً..مما يدفعني جدياً للتساؤل عن الوغد الذي أكونه!! إذ أنني إذا كنت قادراً علي خداع نفسي لإصطحابها معي في رحلة تنتهي في غير ما كانت تتمنى,فماذا أنا قادر على فعله بالأخرين إذاً؟!!

Sunday, January 31, 2010

حوار


إنتهت..ككل شئٍ في الواقع ..بدأت و إستمرت ما قُدر لها أو ما قَدِرت عليه ثم إنتهت..
أمسكت قلمي فور النهاية لأسجل رأيي لكن أصابعي تجمدت في طريق أوراقي ..
ماذا ستكتب؟..
بل لماذا ستكتب..؟
هل تهرع لتسجل مرة أخرى صدي الأصوات بداخل رأسِك؟! و ما الجديد في كلام الأصوات؟! كل ما قلت و ما لم تقل و ما أردت قوله..كل ما وسوس به شيطان أفكارك..كل ما رددته و ستردده بل ولم تجرؤ علي ترديده..
كلك أنت..
مكرر
ممل
ممجوج
ممسوخ
معاد ..
جميع افكارك "الثورية" أُثيرت من قبل..كل دعاباتك "اللحظية" ألقيت من قبل..كل أشباه أشعارك النثرية نظمت من قبل..
ما الجديد؟ ما الإضافة؟ ما الغاية؟ ما القيمة؟ وما الهدف؟ ..
أتظنك صاحب رسالة؟! أم صاحب جلالة؟!
هل تؤمن أن لكلماتك دلالة؟ أو حتي دلال؟..
هل لاحظت أنك -وكما تندرت على الكثيرين من قبل- تُكْثِرُ الخلط في نفسك بين موهوبٍ وموهوم.. هل فكر-
قاطعته بحدةٍ لا عهد لي بها: "ومن أنت؟..لا بل وما أنت؟ ألست في البدءِ و الآخر صوتاًً يدوي في أعماق رأسي؟ أتنكر أن كل ما قلت و سطرت, رددته أنت قبل غيرك؟!!..كتبته أنت دون سواك ؟!! كيف جرؤت أن تغدو سوطاً يجلد نفسي؟ ألا تدرك يا أحمق أن لحظة إنحسار الحبر عن الورق هي لحظة خروج روحك من جسدي و موت صوتكِ في عقلي؟!.." إرتسمت علي شفتي عقله إبتسامة كنت أخشاها..غشيَ صوته ردهات عقلي و نفسي ..سرى في ممرات قلبي و عبر جدران أوعيتي..
"و هو ما أشتهي..فإفعل " ...
لحظتها أيقنت, أنها لم تنتهِ وحدها...

Friday, May 22, 2009

العروس

إبتَسمَ لصورته في المرآة و هو يصلح من هندام حُلة زفافه الأنيقة.."أخيراً جاء اليوم الموعود" هتف لنفسه في أعماقه..تداعت الذكريات إلي عقله سريعاً ..تذكر كم رغب بها ..كم أرادها له وحده..هو فقط..منذ رأها من بعيد في ذاك البوم..يالبريقها..كانت تشع بهاءً و رونقاً..رأها تمشي من بعيد محاطة كعادتها بكوكبةٍ من الصحاب و الخلان و المريدين والمعجبين..إلتفت في إتجاهه وخيل إليه مع المسافة أنها نظرت إليه..إليه وحده..ثم إبتسمت..تلاشي الزمن من حوله في تلك اللحظات القصار اللاتي إستغرقتهن إبتسامتها. إستدارت عائدة لتكمل ما كانت فيه. أما هو فلم يعد قط كما كان ,مست نظرتها و بسمتها شغاف تلك الرغبة المتأصلة في أعماق نفسه.. في هذ ه اللحظة إتخذ قراره أنها لابد له..له وحده..

لم يتوان لحظة عن تنفيذ قراره..لم يتوقف و لو لثانية ليعيد التفكير..إنطلق من عقاله كماردٍ من قمقمه..لكم حارب من أجل أن يصل إليها.. كم من معارك خاض بلا شفقة أو رحمة..
نسي أو تناسى كل ما تعلم في نشأته الريفية الأولى..تلاشي صوت والده الذي كان دائماً بمثابة الضمير من أعماقه..كم من قوانين البشر كسر..ضاع من أمام ناظريه الفرق بين ما حُرِمَ و حُلل..قادته رغبةٌ محمومةٌ في الجمع..لم يقم وزناً لشئ أو أحد سواها..داس الكبير قبل الصغير..لم يميز من كان خصمه..حارب الكل..قاتل كارهيها لأنهم نصحوه بالرُجوع..وحارب محبيها لأنهم ينافسونه حبها..لم يكن يسمح لأيٍ من كان أن يقف في طريقه..فقط ليصبح جديراً بها..لم يكن يري سوى صورتها..ولا يسمع إلا صوتها في رأسه تدعوه إليها في شغف و وله..

إستعاد إحساسه بالزمن ليجد موعده إقترب كثيراً و أن عليه الإسراع ليبدأ حفل زفافه عليها..وصل في موعده ليجدها بإنتظاره في أبهى حُلة. فستان زفافها كان أعجوبة من جمال في حد ذاته. لكن غطاء رأسها حجب جمال و جهها وكأنها تتمنع عليه في دلالٍ لأخر لحظة..إبتسم و قد إزداد شوقه و تأججت الرغبة المتقدة في أعماقه..ضاق ذرعاً بالمهنئين و
المصفقين..كره الأضواء و الأصوات..إستعجل اللحظة التي يصبحان فيها وحدهما سوياً..اللحظة التي تصبح فيها له حقاً..له وحده كما حلم دوماً..كم من ليال بات يرسم هذه اللحظة في مخيلته..كم من أحلامٍ بنى و كم من آمالٍ علق..

في غرفتهما بعد إنتهاء الحفل, كاد عقله يطيرُ شعاعاً من الفرح..إشتعل قلبه بالرغبة التي أصبحت بين يديه..إقترب منها وهو يرتجف إنفعالاً..مد يديه ليرفع غطاء رأسها الأبيض الرقراق و..



و تراجع في هلع ليسقط علي ظهره أرضاً أمام قدميها..و بعينان ملأهما الذعر نظر إلى ملامحها غير مصدق لما يراه.. غطاء و جهها كشف عن ملامح لم ير أقبح منها في أسوء كوابيسه..تركز بصره علي عينان إختلطت حمرتهما بصفارهما بسوادٍ مقيت..ملامح لا تكاد تبين خلف أصباغٍ صورتها له ملكة للحُسنٍ في ذاك اليومٍ المشئوم..

نظرت إليه بدهشةٍ مصطنعة..إقتربت منه مائلةً ليواجه وجهها عيناه المذعورتان.."ما بك؟!!" قالت في سخريةٍ ممزوجةٍ بالشماتة.."أنا عروسك التي سعيت خلفها سعيك..أنا عروسك التي جعلتها هدفاً وحيداً نصب عينيك..أنا عروسك التي خرقت لأجلها قوانين البشر و السماء..أنا عروسك.."
صمتت لثانية مُقَرِبة وجهها من وجهه أكثر حتي إشتم رائحة أنفاسها العطنة.."..أنا ..دنياك.." قالتها و أطلقت ضحكةً ماجنة كانت أخر ما سمع..

إسودت الصورة أمام عينيه. و شعر لأول مرة منذ زمن بصوت أبيه يتردد في جنباته..قارئاً الأية الكريمة التي طالما رددها علي مسامعه مذ صغره..

"اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ " ...صدق الله العظيم..

Saturday, May 16, 2009

HaLf MooN...



بداية إعذروني على كتابتي العنوان بالإنجليزية, لكني لم أستشعر للترجمة العربية ذات الوقع و الرنين الذي تحدثه الكلمة الإنجليزية في قلبي و عقلي..



نصف القمر.. نصف البدر..Half Moon



ربماكان البدرُ مكتملاً لا يُضاهى في رونقه و جماله, وربما كان مصدر إلهام العديدين , وربما كان أجمل تشبيهات المحبين و العشاق, و ربما أيضاً كان أخصب مصادر الخيال لكُتابِ الرعب, وربما كان الرمز صاحب الوزن الأثقل في ثقافاتِ بعض الشعوب حتى أن وجود آلهةٍ للقمر لايعدُ شيئاً غريباً علي ثقافات بعينها. لكن ما يخلب لبي دائماً , ويشد إنتباهي, ما كان ولا يزال يغرقني في بحورٍ من مزيج التفكير و الشعور ..ما يجعلني أتيه في عوالمِ خيالاتي هو دائماً نصف القمر..نصف البدر..



في تلكم الأيام التي تلي إكتمال البدر يتأكل القمر رويداً رويداً..تنتقص دائرته التامة ليغدو في الثُلثِ الأخير من الشهر القمري ذلك الكيان العجيب..نصف البدر..

نصف البدر يُذَكِرُني كلما نظرتُ إليه أنه الأن نصفُ ما كان منذ أيامِ قلائل..يُذَكِرُني أن لكل إكتمالٍ نُقصانٌ يليه و يُذَكِرُني أنه ليس بعد الكمالِ إلا الزوال..



نصف البدر يُشعِرُني أني أنا أيضاً مُجردُ نصف.. نصفُ إنسان..نصف كيان..نصف ما يجب علي أن أكون..بل نصف ما أستطيعُ أن أكون..



نصف البدر يخبرني أن لي نصفاً أخر في مكانٍ ما يبحثُ عني كما أبحثُ عنه.. يخبرني ألا إكتمال إلا بالنصفين.. و أني لن أكون بدراً أبداً مالم أجد نصفي الأخر..و أني إلى زوالٍ مالم أجد نصفي الأخر..



لكن ذات نصف البدر يُحَذِرُني أنه بعد الوصولِ إلي الكمالِ بالإكتمال يأتي إضمحلالٌ إلي الزوال..فنصفي البدر يلتقيان فيكون كمال جمالِه في إكتمالِه بدر التمام..لكن أحد النصفين دائماً ما يأخذ في التلاشي و الإختفاء..ليتركَ النصف الأخر ليبدأ أو ليُكمِل رحلةَ الإضمحلال في طريقهِ إلي كاملِ زوال البدر ليسود السواد..ويكون محاق..



نصف البدر يُعَلِمُني ألا أفرح بالإكتمال فمآله إلي زوال.. وألا أحزن علي نقصان فمصيرهُ إلى إكتمال..

وإذا كان البدرُ مكتملاً يوقظُ المذؤب في قصص الرعب, فنصف القمر يُذَكِرُني دائماً بنصف المذؤب الذي يحيا بداخلي.. يُذَكِرُني بالوحش الرابضِ في أعماقِ كُلٍ منا لا يمسكه عن ظهورٍ إلا واعزٌ من حكمة أو بقيةٍ من دين أو ثوابتٌ من عقل أو نذرٌ يسيرُ من صبرٍ و حلم..لكنه قد ينبعثُ حيناً ليسيطر علينا في لحظة غضب مكشراً عن أنيابه, مسقطاً أقنعة التحضر و الوعي , مزمجراً معلناً عن وجوده و مُخبراً إيانا أنه مازال يرقُد بأعماق لاوعي كل منا رازخاً تحت قيود العقل أحياناً لكنه قادرٌ علي الإفلات وقتما شاء..



نصفُ البدر يُذَكِرُني أن بدخلي نصف شيطان..و أن جزءٌ من إنسانيتي هو مزيج من الطين و النار..لكن نصف البدر يطمئنُني أن بداخلي أيضاً نصف ملاك..قبسٌ من روحِ الله ..نفخة و نفحة من نقاءه..تشع بداخلي حيناً فتجذبني من على شفا الهاوية لتعيدني إلي الطريق و تنير أمامي سبيل الخلاص..

نصف البدر يُعَلِمُني أن نصف الحقيقةٍ يخدع..فنصف البدر -رغم عشقي إياه- لا يخبر حقاً عن بهاءِ البدر حين تمامه ولا يدُل علي قٌبحِ المحاق في إختفاءِه..نصف البدر لا يُضيء طريقي كالبدر ولا يجعلني أحملُ مشعلي لأُضيء طريقي بنفسي كما يفعل المحاق.. نصف البدر يخدع معطياً إياك أمل النور لكنه لا يكفي لتبديد الظلام..

نصف البدر هو نصف إكتمالٍ و نصف نقصان..نصف جمالٍ و نصف قبح..نصف حقيقةٍ و نصف خداع..نصف نورٍ و نصف ظلام..
نصف البدر هو حال البين بين..هو لا أرض و لا غرق..هو لا وصول ولا ضياع..هو اللا أمل و اللا يأس.. هو وعدُ بالكمال ..ونذيرٌ بالزوال..
نصف البدر.. هو أنا..

Sunday, May 10, 2009

لابرينث

يضيع من قدمَي الطريق,يتلاشى خلف خطواتي مجهولٌ لينبت أمامها مجهول جديد..طريقٌ لا أدري أين بدايتها و لا أعلم لها من نهاية.
لا أتذكر ما الذي ألقي بي في هذي البئر العميقة من اللاشئ!! صحيحٌ أني قد بدأت المسير مدركاً الخطر, بل راغباً به, لكنَ شاطيء النجاة كان دائما ملئ عيني و منال يدي و إطمئنان روعي. لم ألحظ متي فقدت طوق نجاتيَ الأخير, ولا متي غاب عني زورق الحياة..لم أدري متي إنتهت "المغامرة محسوبة العواقب" لتبدأ روحي تهيم في أرض اللاإنسان..كل ما أدرك أني قد افقت لأجدني بلاشئ , لا شيء معي , لا شئ حولي, لاشئ علي مرمي أنظار عيناي ولا قلبي ,لا بصر يبصُر ولا بصيرة تهدي. بل ولا شئ بداخلي. حالةٌ قصوى من الضياع لم أعش مثلها قط..
ريحٌ تعصف بما بقي من معالمِ الطريق..
تتطاير مع كل خطوة أخطوها الملامح , تتبدل ألوان المألوف الدافئة لتغيب في سوادٍ قارص البرودة, يتأكل كل أملٍ في نجاة.. أي شكلٍ من نجاة..
هبةٌ أخري للريح أشد قسوة, يكاد يفلتُ من يدي..تتشبث أصابعي به بإستماتة..إنه أملي الأخير..بئر الحياة الوحيد في صحراء الضياع.. أثرٌ باقٍ من دليلٍ قادني يوماً في التيه..أتشبثُ به كغريقٍ بأنامل منقذيه..كرضيعٍ في الفطام بثدي أمه..كنخلةٍ بجذورها في أرض..
تتحرك يدي به في حركة ٍ محمومةٍ نحو أنفي.. أتنفسه أستنشقه أتمني لو أن أنفاسي إستطاعت أن تحمله معها إلي داخلي.. ليستقر جوار قلبي مؤنساً وحدته, مهدئا روعه, مثبتاً جزعه, مطمئناً فزعه.. نعم, مازال يحمل عبيرها..ترياق الحياة الذي كانت تتطيبُ به, مزيجٌ من الحنان و الشجن, كأنهم قطروا حلاوةَ الحزنِ ليخلقوا منها إكسيرأً سحرياً لا يعرف سره سواها..
أسيرُ في غيبوبةٍ من خيالاتي لتتوه قدماي أكثرَ فأكثر في ذات اللاطريق..لكني مستمرٌ في المسير علني إذا أصل..
أجدها بإنتظاري...

Monday, March 30, 2009

أنا


1-فين؟!!
أفقت اليوم لأجدني أسعى حثيثاً نحو السادسة والعشرين. صحيح أنها ليست السن المخيفة بعد, ولا تعني شيئاً خاصاً في حياة الإنسان كالثامنة عشر أو الحادية و العشرين أو الخامسة و العشرين مثلاً. لكن إدراكي أني أعيشُ الأن عامي السادس و العشرين علي ظهر هذه الأرض أصابني بصدمةٍ من نوعٍ خاص. فأنا أعلم أني قد إحتفلت في شهر سبتمبر الماضي بعيد ميلادي الخامس و العشرين, لكن يبدو أن هذا العلم لم يتحول إلي إدراك تام بهذه الحقيقة إلا اليوم. ولا أدري لهذا سبباً.
ما يعنيني حقاً ليست السادسة و العشرون, لكنها الخمسُ و عشرون عاماً التي مضت,إنقضت,ذهبت,مرت,فاتت و إنتهت من حياتي..ربعُ قرنٍ من الزمان مرت بيَ في هذي الحياة. عشتُ خلالها عبرَ ما مر بي فإبتسمتُ و عَبِستُ, ضحكت و بكيت, و مضيتُ فيهُنَ كما يمضي الناس في أعمارهم أتقَلبُ من حالٍ إلى حال.

2- جيت منين طيب؟!!
خمسٌ و عشرون عاما, منها ما يقارب الثلاث عشرة عاماً في طفولةٍ أجرؤ علي القول بأنها كانت سعيدة, أو علي أقل تقدير كانت أسعد مما تلاها من أعوام, طفولةٌ شبه عادية كانت. ككل أبناء جيلي تقريباً سافرت مع والديَ إلى إحدى دول النفط في بدايات عهد ما بعد الإنفتاح الثاني و في أوائل العهد المبارك الذي ولدتُ و نشأت و عشت و يبدو أني سأرحل عن الحياة في رحابه - ( أعتقد أني من المحظوظين الذين جاءوا إلى الدنيا في عهودٍ مباركة و سيرحلون عنها في أيامٍ يملؤها الجمال).
كان نصيبي من بلاد النفط هو أرضُ الحجاز, المملكة كما أطلقوا عليها في إسم ذلك الفيلم السخيف, وقد أعطاني هذا الفرصة لأكون من أصغر الحجاج سناً, فقد أتممتُ مراسم الحجِ و العمرة مع والديَ و أنا بعدُ لم أتم عامي الثالث. وكان شكلي كالملائكة في إحرامِ أبيض بحجم طفلٍ في الثالثةِ من عمرهِ (دا كلام أمي طبعاً).
أمضيت هناك ما يقرب من الأعوام الست تقريباً عدنا بعدها إلى أرض القمامة..قصدي الكمامة..يوووه قصدي الكنانة, لأدخل في دوامة التعليم المصري العتيدة.
دراسة إبتدائية أنهيتها بتفوق و حصُلتُ علي مجموع يقاربُ السادسة و التسعين بالمائة في عامي الخامس الإبتدائي و الذي كان شهادةً شديدة الأهمية كما شعرتُ وقتها. ثم ثلاث أعوام في دراسة إعدادية (و لا أدري لما كانت تُعِدُنا تلك الدراسة "الإعدادية" علي أي حال), أنهيت عامي الثالث بها بمجموع يماثل أو يزيدُ قليلاً عن ذلك الذي حَصَلتُ بالإبتدائية. و من الطريف أني في عامي الثاني الإعدادي حَصُلتُ علي مجموع نهائي حوالي سِتٍ وثمانين بالمائة, أذكر أني حزنت وقتها حزناً شديداً, فقد كانت هذه هي المرةُ الأولي التي ينحدرُ فيها مجموعي النهائي إلى أقلَ من خمسٍ و تسعين بالمائة.
غير أن أهم ما طرأ عليَ من تغيير في تلك الفترة أن ذُقتٌ الحبَ –أو ما ظننتهُ حباً- للمرةِ الأولي في حياتي, كنت في أواخر الثانيةَ عشر من عمري ساعتها. كانت مدرستي الإبتدائية و الإعدادية مدرسةً مختلطة لذا لم يكن غريباً عليَ أن أتعامل مع زميلاتٍ ليَ بفصلي.
أعتقد أنه في أثناء سنى الطفولة تظهر مشاعر كل من الجنسين نحو الأخر في شكل مشاكل طفولية, إغاظة للأخر, مشادات كلامية , معارك بريئة ونحو ذلك. ثم تبدأ مرحلة الإنجذاب الغير مفهوم من الطرفين للطرف الأخر مع بداية أعوام المراهقة.تليها مرحلة إدراك الأخر وحجمه ودوره في الحياة وفهم الدافع الغريزي الذي وضعه الخالق في كلا الطرفين نحو الأخر. لكني و من عامي الخامس الإبتدائي تقريباً –( وهي تقريباً نفس السن التي حصلتُ فيها علي أول كمبيوتر في حياتي)- في هذي السن كنت أشعر بشئ لم أفهمه ولم أدرك كنهه نحو فتاة بعينها من زميلاتي في الصف.
لم تكن فاتنة الصف كما يطلقون عليها في المدارس الأمريكية, لم تكن أجملهن ولا أخفهن ظلاً ولا أكثرهن ذكاءاً وليست "أشطرهن" -بتعبير طفولتنا – من ناحية الدراسة. ففي هذه الفترة كنت أتنافسُ دوماً مع إثنين من أصدقائي –(مازالا إلي يومنا هذا من أصحابي)- كنا نتنافس علي زعامةِ "شطارة" الفصل بين الأولاد, فتارةٌ أتفوق أنا و تارةٌ يتفوق أحدهما. بينما كانت تتنازع لقب "أشطر بنت" إثنتان من الفتيات هما "سمية" و "سارة".
يا الله, لكم وددت أن أتفوق علي سمية هذه, كانت نموذجيةً تلك الفتاة. شديدة المهارة باللغات كعادة معظم الفتيات و برغم ذلك لا تقل ذكاءاً بالعلوم و الرياضيات وسواهما. وهي كابتن فريق كرة اليد للفتيات –و قد كانت كرة اليد هوايتي الأولي في ذاك الوقت إذ كنتُ مهاجماً خطيراً , نظراً لصغر حجمي و سرعة تحركي- ولطالما لعب فريقنا من الفتيان مع فريق سمية لنخسر منهن مرة و نربح مرة.
المهم أن فتاتي- إن جاز هذا التعبير علي أطفال في سننا وقتئذ- لم تكن إحدى تلكم الفتيات المميزات بالصف. لكنها كانت بالتأكيد "شاطرة" هي الأخرى, كانت دائماً تنافس علي المركز الرابع أو الخامس. وكانت أيضاً –مثلي- عضواً في "جماعة الكمبيوتر" والتي إبتدعنا لها تصميماً بدائياً لبطاقات العضوية التي صنعنها يدوياً ووزعناها علي أنفسنا ولم يكن عددنا يتجاوز العشرة أفراد.
رانية.. أتذكر إسمها الأن بنفس الموسيقى التي شعرت بها دوماً حين كنت أنطق إسمها منذ أعوامٍ عديدة. بيضاءُ بضة كانت, وفي عينيها الزرقاوين يلتمعُ ذكاءٌ شديد مخلوطاً بشئ غير قليل من "شقاوة" الطفولة وبراءتها. وجهها المبتسمٌ دائماً مملؤٌ نمشاً دقيقاً لونه مزيجٌ من درجات الحُمرة كلون شعرها.. شعرٌ مموج لونه مزيج من البرتقالي و الأحمر. لها رائحةٌ مميزة لا أدري حتي اليوم ما كان مصدرها, لكنها مخدرة جذابة, لم أشم مثل عبيرها علي إمرأة أو فتاة إلي هذه اللحظة. ذات لثغةٍ بالراء, تنطقها ثقيلةً إلي حد ما, هي سر ضعفي الشديد أمام الفتيات ذوات اللثغة بالراء إلي يومنا هذا. وهي سبب حالة الوله-والتي قد تتحول إلي بله- التي أصابُ بها أمام فتاة حمراء الشعر أو زرقاء العينين.

"فتاتي ذات الإثنى عشر ربيعاً..تُرى أين أنتِ الأن؟!!..و كأني لم أعشق سِواك.."

من يدري لعلها الأن إحدى من يقرأن هذه الكلمات. رأيتها مصادفة في الطريق منذ ما يقرب من العام. لم تذكرني لكني تعرفتها من فوري. لم تتغير كثيراً, ذات النمشٍ في وجهها ومازالت عيناها تلتمعان بذات البريق و إن إختفي شعرها المموج خلف حجابٍ ينسدل ليضربَ علي جيبها و يلتقي مع ملابسها الأنيقة المحتشمة ليكمل الصورة التي تخيلتُ يوماً أنها ستكونها. قد أصبحت كما تخيلتها ستكون يوماً منذ أعوامٍ عدة. لكني أنا الذي أصبحتُ غير ما تخيلنا وقتها, لها عذرها إذا لم تتعرفني ..لكم غيرتني تلك السنون. لكنها ذات السنون التي زادتها بهاءاً علي بهاء و رونقاً علي رونقها و رقةً علي رقة, و نقاءاً فوق نقاء.. لعل الله يوفقها إلى ما يُحبُ و يرضى و ما تحبُ و ترضى.

3- طب رايح فين؟!!
إنتهت أعوامي الإعدادية و إنتهت معها قصتي مع رانية بعد ما يقارب الثلاث أعوام من المشاعر البريئة التي كنتُ أتعرفها للمرةِ الأولى..
إنتقلتُ إلى مدرسة ثانوية عسكرية, هي المدرسة "الإبراهيمية الثانوية العسكرية للبنين". وقد كانت هذه نقطة تحول هامة نقلتني من عالم الطفولة المنعمة التي كنت أحيا فيها , إلي قلب عالم المراهقة و المراهقين المتقلب بكل عنفوانه وقلقه و رغباته ورهباته وتجاربه وخبراته.
ذلك أني حتى السنة الثالثة من دراستي الإعدادية كانت مدرستي على بعد خمس دقائق مشياً وئيدا. وكان أصحابي –على كثرتهم- كلهم على نفس شاكلتي لم نعرف شيئاً في هذا العالم سوى منازلنا و مدرستنا و أهالينا و بعضنا البعض. ولا خبرة لنا غير ما نقرأ و نتبادل من كتب. كنا جميعا في منتهى السذاجة أو إن شئت التخفيف البراءة.
كما أن مدرستي كانت خاصة مشتركة و الدراسة بها لا علاقة لها بمناهج التعليم العام إلي حد بعيد,اللهم إلا في الإمتحانات, لذا فحجم الإختلاف و النقلة المفاجئة لم يكن هيناً, من هذا العالم الضيق النقي , إلي دنيا المراهقين.

مدرستي الجديدة كانت تقع في حي "جاردن سيتي" في مواجهة السفارة السعودية, و إلي يسارها كانت مدرسة ثانوية فرنسية قبطية للفتيات (وسيأتي الحديث عنها لاحقاً), المهم أن الدراسة تبدأ في الثامنة إلا الربع وحيث أني أقطن في منطقة متاخمة لحي حلوان, كان لزاماً علي أن أبدأ تحركي من منزلي متجهاً إلي محطة المترو لأتخذ طريقي إلي المدرسة في حوالي السادسة و النصف صباحاً.
وحيث أن المدرسة كانت –ولاتزال- تحتفظ ببواقٍ من طابع العسكرية,فإن التأخر عن طابور الصباح كان له عواقب وخيمة ولم يكن بالشئ الهين,خاصة وأنا طالبٌ-وقتئذ- مهذب و ملتزم وقد تؤذيني كلمةُ إهانةٍ أو توبيخ أسمعها أشد الأذى (دا وقتئذ برضه بالمناسبة ).
كما تعرفت لأول مرة من خلال مراقبتي زملائي من الطلاب على شعور الشباب المراهق بالحرمان وأدركت حجم عدم الفهم الذي يعانون منه لذلك الكائن المجهول المسمى "فتاة" وهو ما سينمو مع الكثيرين منهم ليتحولَ إلي حجمٍ أكبر من عدم الفهم للكائن الأكثر غموضاً "المرأة" , وقد كان هذا يبدو واضحاً في "نظرياتهم" التي يؤمنون بها و يتشاركونها في مناقشاتهم حول الفتيات و ما يحببن وما يكرهن وما هي أسهل الطرق إلي فتاة. وأجد من الجدير بالذكر هنا أن أحداً منهم -على حد ما أذكر- لم يسأل قط عن أقصر الطرق إلي قلب الفتاة لكن إهتمامهم كان منصباً علي أقصر الطرق للفتاة كأحد مظاهر التفوق و التباهي فيما بينهم البعض بالإضافة بالطبع إلي الإهتمام السائد بينهم- بحكم الطبيعة العمرية و التربوية- بالفتاة كأنثى مجردة.

وقد كانت دراستي الثانوية هذه بالنسبة لي تجربةً جديدة وكنت برغم شكواى المستمرة مستمتعاً بها أيما إستمتاع, كعادتي بالإبتهاج بكل تجربة جديدة ولو لم تكن سعيدة أو سارة. وهي عادة لازمتني لتصبح جزأً من شخصيتي حيث وهبني الله القدرة على الإستمتاع بكل موقف جديد وإن كان شائكاً كخبرة تضاف إلي خبراتي, ومبدأي في مواجهة المواقف الجديدة بسيطٌ للغاية, فأنا إن نجوت من هذا المأزق فقد تعلمت كيف أنجو من أمثاله, وكيف أتلافي حدوثه مجدداً وكيف أتعافى من نتائجه وكيف أصبرُ عليه. أما إذا لم أنج, فستكون خسارتي في هذا المأزق مهما كان حجمها هي أقل مشاكلي.

أسمع وأنا أكتب هذي الكلمات إلي غنوة هي برغم ركاكة كلماتها أحد أحب الأغنيات لقلبي. أغنيةُ قديمةٌ نوعاً للمغني متوسط الشهرة "هشام عباس" وهو بالمناسبة أحد مطربي مراهقتي المفضلين. بها جزءٌ تقول كلماته:
"زمان وأنا صغير, كنت بحلم أبقى كبير
تعب القلب وإتحير من الدنيا و من المشاوير
الحلم كان برئ مفروش بالورود
والقلب كان جرئ مليان بالوعود
ولما كبرت قلت ياريت ما كنت حلمت ولا إتمنيت وقلت ياريتني فضلت صغير..
زي زمان..

أما ما حدث في سنون مراهقتي و أيام دراستي الثانوية ثم شبابي و دراستي الجامعية, وكيف تحول ذلكم الطفل المبتسم بداخلي إلي هذه الشخصية المتشائمةَ بالطبيعة, المتحريةَ للواقعية,و الباحثة عن منطق الأشياء. وكيف أصبحت روحي قلقةً وثابة, وأصبح عقلي كالفرسِ البري الجامح يأبي الترويض. كيف كُسِرَ ال"حلم البرئ" و كيف تعلم ال"قلب الجرئ" أن يخشى الغد وأن يغدو ملئً بوعود مكسورة و عهودٍ مغدورة..فلنا في هذا كله لقاءٌ أخر..


Sunday, January 11, 2009

Off the Market


في يومٍ ما ذهبت لأقابل أحد أصدقائي لنذهب معاً لنقابل إحدى صديقاتنا. و بعد أن جلسنا في إحدى ال"كافيهات" و أخذنا الحديث في إتجاهات عديدة, جاء ذكر البلد الشقيق سوريا, وبرغم ما سمعنا ورأينا مؤخراً عن المظاهرات المعادية لمصر (أو علي الأقل للرئيس المصري) في سوريا. إلا إن الحديث عن سوريا لن يمر بمعرض شابين مثلي و صديقي دون الحديث (و لو مرور الكرام) عن نساء سوريا و بناتها -الاتي لم يسعدني (أو يتعسني لا أدري) الحظ لأتعرف بإحداهن- وبالطبع كشباب مصري أصيل لم ندع الفرصة تفوت لأذكرأنا و صديقي "المميزات" المتعددة للمرأة السورية. وهي المميزات التي لم أرها ولم أعرفها و لم ألمسها بنفسي. إلا أني رحت كعادة معظم الشباب المصري أردد ما سمعت من أقراني الذين غالباً ما كانوا يرددون هم أيضاً ما سمعوه. المهم بعد أن إنتهي الحديث و إنتهت جلستنا, وأنا في طريقي للبيت (في الميكروباص نادي السكة/حلوان العظيم أبو إتنين جنيه). وأنا في طريقي دار في رأسي لقطات من الجلسة التي فرغت منها منذ دقائق لا تتجاوز اصابع اليدين. لاحظت شيئاً غريباً للغاية , أنا وصديقي تحدثنا (وسرحنا وخدنا راحتنا علي الأخر) في موضوع بنات سوريا ولم نراعي إطلاقاً وجود فتاة معنا. لا أعني هنا بالطبع أن ما قلناه قد تجاوز الحد بأي حال من الأحوال ليجعلها تخجل أو تتأذى من سماعه.لكن ما لفت إنتباهي هو كيف و لماذا رحنا نبدي إعجابنا الشديد ببنات سوريا و تحملهن و أصالتهن و ذكائهن و بالقطع جمالهن المساوي أو يقل قليلاً عن الجمال اللبناني الذي يعتبر هو ال upper limit في الجمال العربي متجاهلين تماماً وجود فتاة عبر المائدة!!.

ما جعلني أتساءل هو في الواقع عدة نقاط, أولها أنه بالرغم من أن العلاقة بيني علي الأقل و بين صديقتنا المشتركة الجالسة معنا ليست بالحميمية التي تسمح بصورة منطقية بذكر هذا النوع من الكلام أمامها بإعتبارها صديقةً مقربة ولن تمانع في مثل هذا النوع من الحديث إلا أننا فعلنا وبلا أدني خجل. كأنه من الطبيعي أن نبدي إعجابنا أمامها ولا يجب بل ولا يحق لها أن تتضايق أو تتأفف. وسبب الضيق الذي أعنيه هنا ليس لشئ إلا أن البشر بالطبيعة- رجالاً و نساءً- لا يحبون أن يظهر أحدهم إنبهاره أو تظهر إحداهن إعجابها الشديد بهذه الدرجة وهذا الوضوح و الصراحة بشخص أو "نوع" من الأشخاص من الجنس الأخر أمامهم, كلنا يشعر بنوع مستتر من الغيرة الغريزية. لا أدري إن كان هذا صحيحاً في العموم أم لا لكنه ما تعلمت من خبراتي البسيطة في الحياة. لذا فأنا أعتقد أننا لم نراعي مشاعرها علي المستوى النوعي كفتاة إذا جاز التعبير.

ثانياً: هي فتاة مصرية و أذكر هنا أنها مصرية لأن هذا هو ما يعنيني في النقطة الثانية, لا أدري إن كان هذا يحدث في جميع شعوب الأرض لكني أزعم (ولكم الحق في نقض هذا الزعم) أننا كشباب مصري من أكثر شباب العالم إعجاباً بغير بنات بلدنا. فنحن نعجب بالسوريات و نعشق اللبنانيات و نفقد النطق أمام الروسيات و نفقد العقل أمام الفاتنات اللاتنيات ..و ..و ..و , كلكم يعلم هذا. وأنا لا أنفي هذا حتي عن نفسي فالإعتراف بالخطأ(علي الأقل من وجهة نظري أري أنه خطأ لدرجة ما) الإعتراف به واجب حتي إن لم نتوقف عنه. و مرة أخري أوضح أني لا أعني أن نشوء علاقة بين شاب مصري و فتاة غير مصرية أو العكس خطأ , بل أعني أن توغل فكرة أن غير المصريات هن بالتأكيد أفضل في كل شئ من المصريات, توغل هذه الفكرة بهذه الصورة وتشبع الوجدان و الوعي الجمعي للشباب المصري بها هو بالتأكيد خطأ. ولا أعلم يقيناً إن كان ما سأقول صحيحاً . لكني أعتقد بشدة أن حديثنا عن فتيات سوريا لابد قد جرح شيئاً ما في الكبرياء المصري لصديقتنا أو خدش سطح كرامتها الفرعونية ولو خدشاً سطحياً.

علي أن كل ما سبق هو تداعي غير متسلسل للأفكار, لكن ما إستثار إنتباهي حقاً هو كلمة قالتها صديقتي -بلا وعيٍ منها علي الأرجح- و ضاعت في مجرى الحديث حتي إلتقطها عقلي وأنا أسترجع الحوار. قالت " أنا Off the market "... قد تبدو هذه الجملة بسيطة وغير مسترعيةً للإنتباه, لكنها حفزت عقلي بشدة. تعالوا نحللها سوياً , حديثنا كما ذكرت كان عن الفاتنات السوريات و الزواج , وما شابه لذا فال market الذي تقصده صديقتي هنا هو سوق الزواج أو بتعبير أقل لياقة وأكثر وقاحة "سوق البنات" . و قبل أن تطالب بعض صديقاتي من الأخوات ال"feminist" إياهن إعدامي رمياً بالحذاء -(و لازم عدد الجزم الحريمي اللي هيترمي عليا يبقي مساوي لعدد الجزم الرجالي, أه ولا هما الرجالة هيسيطروا علي كل حاجة حتي الإعدام بالحذاء) المهم - أعلن و أقر هنا أن السبب الرئيسي لكتابتي هذه الكلمات هو دهشتي وإستنكاري الشديدين للفظة التي إختارتها صديقتي و دلالة هذه اللفظة.
أنا أعلم بالقطع أنها لم تقصد هذا المعني تحديداّ لكن تلك مصيبةٌ أعظم, فهذا يعني أنه برغم ثقافتها الواسعة وعقليتها التي أُعجَبُ بها كثيراً إلا أنها لم تتخلص بعد من هذا الموروث التراثي وقد بقي منه ولو رواسب مترسخةً في وعيها أو -لا وعيها لا أدري -لكنها هناك مازالت تطل من حين لأخر عبر كلماتها بل و ربما عبر أفعالها أو مواقفها (لكني أشهد أني لم ألاحظ أياً من هذا فقط هي هذه الكلمة التي أُعَلِقُ عليها هنا),و لتعلموا سبب إستنكاري دعوني أخبركم أن صديقتي هذه تحمل شهادة جامعية (أشهد أنا تستحقها ليست كمعظم خريجي الجامعات)و هي حاصلة علي MBA في فرع من فروع ال management التي لا أفقهُ فيها شئً, وهي قارئة من الطراز الأول و شخصية موضوعية جداً ولديها عقلية تحليلية رائعة. لذا تجدونني غايةً في الإندهاش حينما أسمع منها تعليقاً كهذا بالرغم من علمي و تأكدي أنه أفلت من مكان ما من لا وعيها.

ما أثار إنتباهي و ربما غيظي, في هذه الجملة القصيرة هما نقطتان, أولهما أنه مازال في فتياتنا ونسائنا من تفكر في نفسها كسلعة (و أنا هنا لا أعني علي الإطلاق صديقتي تلك, فعقليتها أعمق كثيراً من هذا التفكير المسطح). لكن هذه الفكرة ما زالت تحتل وعي عدد كبير من الفتيات و مازالت تختبئُ في لا وعي عددٍ أكبرَ منهن. فكرة أن المرأة لها تاريخٌ لإنتهاء الصلاحية, فهي إما أن "تباع" و تجد المشتريَ المناسب و إما تكون قد فاتها القطار و توصم بالعار و الشنار(الذي لا أدري ماهو تحديداّ). و أنا هنا لا أناقش أهمية الإرتباط للنوعين ولا أناقش فكرة العنوسة ولا تأخر سن الزواج و لا حجم الغباء الإجتماعي الذي نعاني منه. كل ما يهمني هنا و في هذه اللحظة هو نظرةُ الفتاة نفسها لنفسها..هل فعلاً لا تزال فتياتنا ينظرن بالمرآة ليتأملن صورتهن ثم تمصمص إحداهن شفتاها لتقول "ما أنا حلوة أهو أمال الرجالة صابها العمى ولا إيه ؟!!!" هل فعلاً لا تزال فتياتنا تقدرن قيمةَ أنفسهن بناءً علي وزنهن في "سوق البنات" ؟!!. بل هل ما زال بعض الأشخاص رجالاً كانوا أم نساءً يُقَيمون أنفسهم علي صورتهم في عيون الأخرين؟!!. لا أدري أهذا حالي أنا فقط أم ماذا لكني أومن تماماً ان ما يهم حقاً هو نظرتي لنفسي في مرآتي,هذا هو مقياسي, عندما أنظر في المرآة وأجد ذلك الوجه المتجهم أو نظرةَ الإتهام أو العتاب أو حتي في أحيان ما نظرة الإحتقار..ساعَتها أعلم أن شئً ما خطأ ساعَتها أجلس مع ذلك المراقب العجوز بداخلي لأراجع ما حدث لأعرف مصدر الخَلَل.عذراً لكنه إستطرادٌ لم أستطع منع نفسي عنه.ففكرةُ ان بعض الناس لا يقيمون وزناً لأنفسهم إلا في حدود ما يضعه لهم المجتمع و الأخرون من قيمة يثير غيظي قبل عقلي.وأحد أبرز الأمثلة علي هذا هو تلك الفكرة المسيطرة علي عقول العديد من الفتيات اللاتي يُخضعنَ أنفسهن لتقييم المجتمع القاصر
ولا يشعرن بقيمتهن إلا في حدود الأنثي التي لا يرى مجتمعُنا الأعور غيرها فيهن..
قد أبدوا متحاملاً لكني أوضح أني لا أنكر أهمية وجمال دور المرأة كأنثي و إمرأة, ولا أنكر علي الجميلات إهتمامهن بالجمال و لا إعتنائهن بما منحه الله لهن من بهاء. علي الإطلاق ,فعلي أقل التقديرات أنا مازلتُ رجلاً ومازلت أملك الضعف الرجولي الذي يحولني إلي مصاب بالعته المنغولي أمام الفاتنات.و أنا أومن أنه لولا إهتمام النساء بأنفسهن ولولا ذلكم الواعز الخفي الذي يدفع الفتاة لتستدرج ذلك المسكين إلي شراك الحب, لولا هذا لما وجدت الأسر السعيدة ولا وجد الأبناء بل وما وجدتُ أنا نفسي.وقد تفني الحياة إذا ما لجأت النساء جميعاً إلي الطرف الأخر للميزان فأصبحن جميعهن "أشخاص" مجردات من الدور النسائي -و الذي لا يستطيع لعبه سوى إمرأة- في تكوين أسرةٍ و بالتالي بناءِ مجتمع. ما أريد قوله هنا هو أن التطرف هو عين الخطأ, سواءً كان تطرفاً في ناحية "الأنثي" في المرأة أو تطرفاً إلي ناحية ال"شخص" في المرأة.

النقطة الثانية هي قول صديقتي انها هي شخصياً "خارج المنافسة" "Off The Market" وهي كما ذكرت علي قدر من العلم والثقافة و العقل لا يملكه العديد من أترابها, لملذا إذاً يا صديقتي تعتبرين نفسَكِ خارج المنافسة (برغم رفضي التام كما هو واضح افكرة المنافسة -السوق- نفسها). ما إستنتجه عقلي من هذا هو أن أدوات المنافسة نفسها ليست هي ما
تمتلك, أي أن المنافسة هنا تبني معاييرها علي أسس أخري غير العلم و العقل بل و الدين أيضاً فصديقتي هذه أزعم أنها ممن صلُحَ دينهم إن شاء الله علي قدر معرفتي أنا نفسي بديني و قدر معرفتي بها. لذا فكونها -مع إمتلاكها هذه الصفات -تعتبر نفسها خارج السباق يحعلني أفكر فيما تعتقد أو تؤمن هي أنه "المؤهلات" الكافية للفتاة لدخول ذلك السباق, ماذا يجب أن تملك الفتاة لتصلح في العرض في ذلك السوق؟, أعتقد أننا جميعاً نعرف إجابة هذا السؤال. لكني كرجل أخبر صديقتي تلك عبر هذه الكلمات, نعم معظم عقولنا كرجال صغيرةٌ إلي حد أن نفقد النطق أمام الفتنة حتي مع معرفتنا أنها كذبةٌ في معظم الأحيان إشترك فيها كريستيان ديور و لاكتيويل "I dont like it" و أورفيلام وأخرون غيرهم الله يعلمهم , لكن صدقيني حينما يأتي الوقت الحقيقي للإختيار فإن معظم الرجال يكونون أذكي من أن يجروا وراء لعابهم السائل علي قشرةِ تذوب بأي مزيل لمساحيق التجميل..
فالروح يا عزيزتي لا يُخفي قبحها أي تجميل و لا يُخفي جمالُها غطاءُ الجسد.

لذا فأنا هنا أعتذر لصديقتي تلك أولاً علي كوني لم أراع مشاعرها في حديثي مع صديقنا المشترك و ثانياً لأنني مازلت منافقاً في إيماني ببعض ما قلت, فأنا نفسي لم أصل بعد إلي تلك الدرجة من التجرد التي تجعلني لا أضع ولو بعض القيود الشكلية البسيطة في من أسعى للإرتباط بها, فما زلت لا أنفذ أنا نفسي ما قلت حرفياً, لكن عذري يا أصدقائي أني..رجل (ما فيش فايدة في الصنف أبو عين زايغة ده ياختي)

Friday, November 28, 2008

الحمد لله

أعرف أني قد وعدتكم بإكمال الحديث عن جلسة القهوة و حديثي مع أصدقائي عن سيد الرجال تيمور الشجيع. لكن هذه الخاطرة ألحت علي ذهني ليومين متتاليين لذا قررت مشاركتكم فيها قبل أن أكمل كلامي عن تيمور.
كنت في المترو متجهاً إلي محطة وادي حوف حيث بيتنا العزيز عندما تداعت هذه الأفكار في ذهني, لا أدري لمَ تذكرت Note كتبتها شيرين صديقتي من فترة تحت عنوان "حبة تفاؤل" علي ما أذكر. كان في ذهني منذ فترة أن أعلق عليها لكنه العمل حاربه الله لا يمنحني أي وقت للتأمل ولا التفكير. المهم أن موضوع هذه ال Note كان حمد الله علي علي ما صَغُرَ من أشياءٍ في حياتنا اليومية. لذا ومع إعتذاري لشيرين علي سرقةِ موضوعها هذا ما جاء في مخيلتي رغم انها ليست
كلها مما صغر من أشياء لكنها من أكثر ما أحمد الله عليه

الحمد لله علي عملي , صحيح أني لا أنتهي منه عادة قبل الواحدة و النصف صباحاً, وأضطر للإستيقاظ في السابعة والربع صباحاً لألحق بالBus لكني أحمد الله عليه, لأن الله وفقني إلي عمل أحبه . وأحمد الله علي هذا العمل عندما أري الشباب في مثل سني حين أذهب مع أصدقائي يوم الخميس إلي أحد المقاهي بعد العمل, أحمد الله عندما أراهم لا هم لهم إلا الصراع علي من فاز علي من في معركة "الطاولة" البارحة أو من هزم الجميع في "بولة الإستيميشن" أمس الأول. عملي يشعرني أن لي هدفاً و أن فائدةَ ما تعود علي هذا العالم من وجودي فيه.
الحمد لله الحمد لله علي وقت فراغي, صحيح أني لا أملك منه الكثير لكني أملك ما يكفي لأمارس بعض نشاطاتي و هواياتي و لا يزيد بما يجعلني أمِلُ أو أضل. ويحضرني هنا حديثٌ عن رسول الله صلي الله عليه وسلم لا أذكرُ سنده الأن لكني واثق من صحته ,قرأته في صحيح أبو داوود. عندما نزلت سورة التكاثر وقرأ الرسول عليه الصلاةُ و السلام الأية " ثم لتُسألُنَ يوم إذٍ عن النعيم" . سأله أحد الصحابة, "أي نعيمٍ يا رسول الله و إن هما إلا الأسودان (يقصد التمر و الماء), فقال عليه السلام "نعمتان مغبون (أي مضلومُ بجهله بهما) فيهما كثيرٌ من الناس. الصحة والفراغ" صدق رسول الله. فالحمد لله علي أوقات فراغي. و الحمد لله الذي علمني كيف أستغل هذه الأوقات. الحمد لله الذي علمني و حبب إلي القراءة ب"إقرأ بإسم ربك الذي خلق" و الحمد لله الذي وهبني أن أكتب مثل هذا ب "ن و القلم وما يسطرون" .

الحمد لله علي أصدقائي. أصدقاء دراستي الذين لازمتهم منذ الطفولة, أصدقائي الذين تعرفتهم في كليتي, أصدقائي الذين عرفتهم في كل شركةٍ عملت بها, أصدقائي الذين تعرفتهم في عالم ال internet الواسع من كل بلدان العالم, أصدقائي الجدد الذين عرفتهم من أقل من عام ليصبحوا من أقرب أصدقائي إلي قلبي.أصدقائي من جيراني. مجموعات و مجموعات من الأصدقاء.اللهم بارك لي فيهم جميعاً.

الحمد لله علي عائلتي.. صحيح أنها ليست كبيرةً عدداً وليست أكثر عائلات الدنيا تحاباً و تماسكاً إلا أن أسرتي الصغيرة علي الأقل هي الأقوي ترابطاً علي الإطلاق. أبي وأمي هما نموذج لأبناء الطبقة المتوسطة الموشكة علي الإنقراض. أبي ناصري حتي النخاع , كان عضواً في لجنة حي عابدين في الإتحاد الإشتراكي. وكان في شبابه في هيئة الدفاع المدني. نزل إلي الطريق مع رفاقه ليكونوا في جيش الدفاع الذي كُوِنَ للدفاع عن العاصمة أيام النكسة. و إمتزج مع والدتي بألافٍ مؤلفة نزلت تنادي ناصر ليعود بعد التنحي.. أما والدتي فهي نموذج للتفاني, أم مصرية باسلة, تحملت ولا تزال مكاره الحياة بإبتسامة و تفاؤلٍ في غد أفضل ممثل في أولادها.. لا هم لها إلا راحتنا ولا شاغل لها إلا سعادتنا. اللهم بارِك لي في أسرتي.

الحمد لله علي كوني من الطبقة المتوسطة المنقرضة. ولطالما تعجب أصدقائي من سعادتي الشديدة بهذا, ولكني أعتقد أن السبب واضح. فكوني من أبناء الطبقة المتوسطة يجعلني قادراً علي التعامل مع جميع طبقات المجتمع بل والإندماج معها حتي يحسبني من لا يعرفني أحد أبنائها.
فأنا يوماً أجلس في مقهي بحارة من حارة من شارع ضيق في أحد أحياء القاهرة القديمة , مع مجموعة من العمال والبوابين وأبنائهم من أصدقائي. يحبونني و أحبهم و أجد فيهم رغم كل عيوبهم دفئً أفتقده. وتجدني في الصباح التالي أتناول إفطاري مع جدي و أصدقاءه Miller و jeason رؤساء مجلس إدارة ال British Gas إحدي أكبر شركات البترول الإنجليزية. وأذهب لأتناول غذائي المفضل "بابا عبدو Liver pasta " لأنهي يومي بحفل إستقبال في السفارة الإيطالية مع denise صديقتي الإيطالية العزيزة.
وأنا لا أفوت فرصة أن أتناول سحوري في أول أيام رمضان مع أصدقائي ف الجحش بالسيدة زينب , أو علي عربة فول دقدق في شارع حسن الأكبر بعابدين لأُفطر في اليوم التالي بأعظم T-Bone steak في Rostry's. وحين تعطلت سيارة أحد أصدقائي ونحن معا لم أبحث عن هاتفي المحمول لأقول"ماما ماما تعالي خديني يا ماما" وإنما بحثت عن شنطة العدة لنتناوب أنا و هو في الزحف تحت السيارة و محاولة إصلاحها حتي نجحنا. والخلاصة يا رفاق أني أحمد الله كثيراً أني لستُ "الواد بلية" الذي لا يعرف ما هو إختراع ال kleenex و لكني أيضا لا أرتدي الجينز أبو حجر تحت الركبة و لا "أجلجل" شعري بموضة ال"سبايكي" كما قالها أحمد حلمي في فيلمه الشهير. ( الخلاصة الحمد لله علي الثانوية العامة والله يخرب بيت ال IGCSE اللي ضيعت الرجالة وجابتلنا أشباه و مسوخ. و يخرب بيت الجهل و ورش الميكانيكا اللي جابتلنا عيال بتشم كلة طول اليوم.)

الحمد لله علي الإيمان . الإيمان بأي شئ وليس فقط إيماني بالله عز وجل و إن كان هذا بالقطع أعظم ما أشكرُ الله عليه. ولكني أيضاً أحمد الله علي قدرتي علي الإيمان بشئٍ ما, قضية, شخص, مبدأ. أو حتي أمل أو حلم. الإيمان يا رفاق هو ما يجعلنا نستمر, هو ما يجعلنا نحتمل و نصارع و نغالب و ننكسر لننهض. هو ما يجعل عقلي لا يذهبُ شعاعاً حين أري كم الظلم الذي نكابده و حجم الهوان الذي صرنا إليه, هو ما يجعلني أستيقظ في الصباح لأحمد الله علي يومٍ جديد مؤمناً أنه فرصة للتعويض و مجال لأغتنم ما فاتني من خير علي كل المستويات. وهو فترة سماح مدها الله عز وجل لي و لكل من طلعت عليه شمس ذاك اليوم لنكون كما أراد لنا , ولنكون كما أردنا لأنفسنا أيضاً.. الإيمان يارفاق -لي علي الأقل - كدورة التبريد في المفاعلات النووية, بدونه كنت بالتأكيد سأنفجر مفجرأ كل ما و من حولي. الحمد لله علي أن قد هداني للإيمان به سبحانه و منحني القدرة علي التشبث به و المقدرة علي الإيمان بأحلامي وإستطاعتي تحقيقها بعونه.

وأخيرا وليس أخراً فإني أحمد الله علي شئ لا أدري أيحق لي بإنسانيتي المتواضعة و عصياني إياه أن أجرؤ عليه لكني دائماً ما أفعل . إني أحمد الله علي أنه هو الله لا إله إلا هو. أحمد الله علي أنه لم يتركنا لغيره ليتسلط علينا, الحمد لله علي أنه الله, لا إله إلاه.الحمد لله علي أن ليس فيهما إله غير الله.

وأحمد الله علي كونه كما أخبرنا عن ذاته سبحانه. أحمد الله علي كماله فخلق لنا عالماً متكاملاً كاملاً لا ينقص و لا يزيد ولا يختل. و أحمد الله علي جماله فخلق لنا ما تقشعر له الأبدان من الجمال و ما نهتف أمامه بتسبيحه تعالي من الطبيعة و خلقنا نحن في أحسن تكوين. الحمد لله علي قدرته فتولنا و أجري مقاديرنا الحمد لله علي رحمته خلقنا بها و دبر لنا كونً بأكمله مسخراً حباً فينا و رحمةً بنا. جاء في الأثر أن الله خلق الرحمة فجعلها مائة جزء. أبقي منها تسعاً وتسعين عنده وأنزل جزءً واحدا,فمنه تتراحم الخلائق حتي ترفع الشاةُ حافرها عن وليدها. الحمد لله علي كل صفةٍ من صفات ذاته سبحانه.

و الحمد لله الذي هدانا لحمد الله. فاللهم لك الحمد علي ما هديتنا من طرق الحمد .

Thursday, November 13, 2008

تيمور يا ..راجل

كنا جلوساً أنا ومجموعة من أصدقائي من النوع الذكوري بمقهانا المفضل , في تجمعٍ إعتدناه ليلة الخميس, لا أذكر الأن ما الذي أثار الموضوع لكننا كنا دائما ما نثير مواداً للحديث و تزجية الوقت , مستمتعين بصحبةِ بعضنا البعض و دفئ المكان (فلابد أننا كنا شتاءً), كان الموضوع قيد الحديث في تلك الليلة هو الموضوع المتجدد الشائق الشائك "أخر الأفلام العربية بالسنيما" وهو موضوع علي قدر كبير من الأهمية كما ترون.

تزامن هذا الخميس مع مرور بضعة أيام أو أسابيع لا أتذكر تحديداً علي عرض فيلم أحمد السقا الجديد-حينذاك- "تيمور و شفيقة" . إذا كنت لم تشاهد هذ الفيلم بعد أنصحك بمشاهدته فهو سنيما راقية من حيث الصناعة, تصوير جيد, إخراج لا بأس به علي الإطلاق, موسيقى تصويرية معبرة. هذا بالإضافة إلي الحضور الطاغي لنجمي الفيلم الشابين أحمد السقا و مني زكي, الفيلم في مجمله ظريف و يستحق المشاهدة.

و قد إنهالت تعليقات الإعجاب من أصدقائي بالفيلم و إخراجه وتصويره وتمثيله وما إلي ذلك. لكن ما أثار حنقي حقاً هي نقاط ثلاث كانت من أشد ما أعجب أصدقائي في هذ الفيلم أو بمعني أدق في الشخصية الرئيسية فيه " تيمور" ضابط الشرطة الهمام المكلف بالحراسات الخاصة.

النقطة الأولي هي كيف أنه رياضي رشيق القوام مشدود الظهر مفتول العضلات شلولخ. النقطة الثانية هي قدرته الفائقة (في نظرهم) علي السيطرة علي مشاعره لمدة سبع سنوات تعامل فيها مع شفيقة التي يحبها و تحبه علي أنها "أخته الصغيرة" كما جاء في حوار الفيلم. النقطة الثالثة والأخيرة والأكثر أهمية هي كم و حجم وكيفية سيطرته علي شخصية شفيقة, وإطاعتها التامة له, النسخة العصرية من سي السيد هو في نظرهم, هو الرجل كما ينبغي أن يكون, وهي "شفيقة" فتاة أحلام, متدينة,جميلة, مثقفة, عاملة, ولكنها في ذات الوقت تعملُ ألف حساب لزوجها المستقبلي, وتطيعه طاعة شبه عمياء.

ولأن الجلسة ذكورية الطابع, ولأن عدداً لا بأس به من أصدقائي من المتزوجين حديثاً, فقد لاقى هذا الإتجاه في الحديث قبولاً تاماً. لذا فما أن خرجت بعض الجمل من فمي إلا و إنهال علي التقريع من جميع الإتجاهات. وكان كل جرمي أن أعلنت في صراحة رأيي في الفيلم عامةً و هو ما ذكرته أنفاً, و رأيي الشخصي المتواضع في النقاط الثلاث التي حازت أكبر الإعجاب.
وكان هذا ما قلت في برأة غير متخيل لحجم السخط الذي لاقيته :

أولاً- كون تيمور يملك مواصفات جسدية جيدة من ناحية التكوين العضلي فهذا لا فضل شخصي له فيه, فهو ضابط حراسات خاصة أي أنه تلقي ما يكفي من التدريبات و الرعاية الصحية التي "نتجت" عنها حالته الجسمانية, ثم إن إهتمامه بصحته و لياقته جزء لا يتجزء من عمله . لذا فلا ثناء مُستحق ولا إعجاب واجب.
إن الإنبهار الزائد بهذه النقطة يبدو في نظري كالإنبهار بأسد يعرف كيف يصطاد غزالاً, أو دودة قز تستطيع إنتاج الحرير. لا أنكر هنا فضل الشخصية "تيمور" في إجادة عمله, لكن الإشادة التي أراه مستحقها هي علي قدر تفانيه في عمله مستغلاً إمكانيته الجسدية التي حباه بها الله و نُميت له من خلال تدريبات فرضت عليه فرضاً و من خلال عمل يتطلب الإبقاء علي هذه القدرات و إلا فقده.

ثانياً -قدرته ال"فائقة" علي السيطرة علي مشاعره هي في نظري درب من الحماقة اللامتناهية !!
ماذا جني هو أو جنت المسكينة التي أحبته من قرار أهوج إتخذه في لحظةِ غضب؟!!
ماذا كسب إلا الندم الذي هو لابد معانيه بعد أن أضاع سبع سنواتٍ من عمرهما كان من الممكن قضاؤها معاً.
أي غباء و أي سذاجةٍ في التفكير بل و أي جنون هذا!!! .
إن الرجل الحق في نظري هو من يتراجع عن خطأه و يعلن ندمه عليه بل و يعتذر للمسكينه التي عذبها معه بلا طائل.

هنا يا رفاق إنفتحت علي رأسي أبوابُ الجحيم, غضب أصدقائي غضبةً عاتية وهاجوا و ماجوا و أرغوا وأزبدوا.. كيف تصل بي الوقاحة أن أطلب من شخص تيمور البطل المغوار و الرجل الأكيد و الفارس الوحيد و الجدع الشديد , كيف أطلب منه الإعتذار و هز صورته وقيمته و سيمته في عيني فتاته.

يالهم من سذج.. لم أكن أتصور أن بيننا من لا يزال يري في الإعتذار نقصً للقيمة و مضيعةً للهيبة .. ما زال بعضنا يتخيل أن تراجعه عن خطأه و إعلانه ذلك, هو خطأ في حد ذاته. خاصةً لو كان المعتذرُ رجلاً..و هو إثمٌ لا يغتفر و جريمةٌ كبري إذا كان المعتَذَر له إمرأة, لكن هذه الفعلة الشنعاء تصل إلي درجة الكبائر عند البعض إذا كانت المرأة المعتذر لها هي إمرأته.. زوجة, حبيبة أو حتي عشيقة. فالرجل الحق كما يتصور هؤلاء لا يعتذرلإمرأته قط . لأن هذا كما يزعمون ينقص من قدره عندها و يُجرِأُها عليه..وينطبق نفس المنطق علي أولادهم, فلا إعتذار للأبناء أبداً, أسألهم سؤالاً واحدأ صغيرأً إذا كان من أخطأت بحقه صديقك أو زميلك بالعمل, أما كنت لتعتذر؟.. أيهم أقربُ إلي قلبك إذاً و أولي بإعتذارك؟!! أيهم له الحق الأكبر عليك يا..يا رجل..

إن الرجل يا سادة الرجال هو من لا تـأخذه العزةُ بالإثم فيتمادي في خطأٍ هو يعلمه. هو من يملك من الشجاعة الأدبية ما يكفي ليعترف بخطأه و يطلب الصفح من مَن أضرهم بخطأه لا لشئ إلا أنهم مطالبين بطاعته.
ينطبق هذا علي الرجل في بيته مع زوجه وأولاده, و المدير في عمله, والرئيس في حكومته, و الوزير في وزارته ولو أن من يتولون أمورنا رجالٌ حقاً لأعلنوا إستقالتهم جميعاً و طلبوا الصفح من هذا الشعب المعذب, لكنهم أمثالنا و ما جاؤا إلا منا, يرون أن إعتراف المسؤل بخطأه عيب و نقص. نشأوا علي نفس المفاهيم البالية و إنتقلت معهم من بيوتهم إلي مواقع مسؤلياتهم. إن الرجل الحق هو من يملك من الحكمة و رجاحة التفكير ما يكفي ليتقبل الحقيقة البسيطة وهي أن الإنسان ليس معصوماً إلا من رحم ربي. ولا بد له أن يخطأ ولا بد أن يعتذر حين يخطأ.. هذا جزءٌ لا يتجزأ من طبيعة البشر, لا خجل منه ولا مهرب. أما أن يعتقد الشخص أنه في مصاف الأنبياء, فلا خطأ يصدر عنه ولا إعتذار يجب عليه أبدا, فهذا هو العيب و النقصية وعدم إكتمالٍ الرجولة.

ثم دائما ما حِرتُ في التفكير, لمَ نعتبر نحن الشرقين التعبير عن المشاعر عيباً و جريمةً كبري؟!! و نعتبر السيطرة عليها و ضغطها في بوتقةٍ من حديد سيطرةً علي النفس و تحكمأ مبهراً في الأحاسيس و قوةَ شخصية!!. بدا هذا التفكير واضحاً في إجماع أصدقائي تقريباً علي الإعجاب بسيطرة تيمور علي مشاعره لسنوات. ولماذا نلجأُ لفيلم , كم مرةً سمع أحدنا بل و ربما قال الإكليشيه الخالد لأي طفل "مفيش راجل بيعيط ,إنت سامع"
ولمَ لايبكي الرجال ؟!! أهم من حديد قُدوا؟!! أم من نحاسٍ قلوبُهم؟!! . لطالما كرهت هذه الكلمات بالذات و لطالما حاربت هذا الغباء. إنظروا حولكم يا سادة , كم من أشباه رجالٍ حولنا.. فشلوا في حياتهم, فشلوا في علاقاتهم , لأنهم لا يحسنون التعبير ولا يجيدون البكاء, لا يستطيعون إخراج ما يكامدون في صدورهم, شخصياتُ مشوهة ممسوخة, لأن "مافيش راجل بيعيط"..
والله إني ما شعرتُ قط بنفس الراحة ولا القدرة علي المواصلة ومواجهة مكاره الحياة علي قدر ما أشعر بعد بكائي علي صدر أمي أو كتف حبيبتي.

أما عن النقطة الثالثة فلها مرةٌ قادمة خصيصاً حيث لا يتسع وقتي الأن لأقص عليكم ما قلت و ما تلقيتُ من ردود. ولا لأن أعبر عن أرائي المتواضعة في نموذج سي السيد العصري الذي قدمه الفيلم. لكن لنا لقاءً قريباً بإذن الله.

أعلم جيداً أن كلماتي هذه ستفتح علي أبوباً لا حصر لها من الجدال و النقاش بل و ربما الإهانات, لكني أنطق فقط بما أقتنع به و بما أطبقه علي نفسي في حياتي قبل أن أطالب به الأخرين. و أنا لها, ميدان النقاش مفتوح , وحتي أُقنع من لم يقتنع بما قلت أو يقنعني أحدهم بخطأ أي رأي مما قلت. ساعتها أعدُكم..سأعتذر

خالد وحيد
القاهرة, في 13/11/08

Friday, October 31, 2008

‏الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏


أعرفُ أني لا أملكُ من العلم ما يسمحُ لي بمجرد التفكير في كتابةِ معني حرفٍ واحد من كتاب الله, لكني لا أكتب معنيً هنا ولا أدعي علماً ولا أطلب تصديقاً لما ستقرأون, فقط هي خاطرةٌ رأيتُ تدوينها لن يضر مع علمي أنه لن ينفعَ أيضاً فأنا أقلُ شأناً بكثير من أن أعطي علماً نافعاً خاصةً في مجال الدين. لذا أرجو منكم جميعاً تصحيح أي خطاٍ تجدونه ها هنا بلا إبطاء ولو كان خطاً إملائياً.

أيةٌ من كِتاب اللهِ الكريم هي, هي الأيةُ الثامنة عشر من سورة الزٌمٌر. سمعناها كثيراً سمعتُها كجزءٍ تقليدي من خاتمةِ خطبة الجمعة الماضية, فوجئتُ بإسترسال أفكاري, دعوني أشارِكُكم فيها

لننظر إلي لفظةِ القرأن الكريم يَسْتَمِعُونَ
سَمِعَ لفلان أو إليه أي إستقبل ما يقول بأذنيه و أدرك بعقله. إستمعه أو إليه أي أصغي و أنصت.
إختار الله عز وجل لفظةَ يستمِعون بديلاً عن يسمعون , ليوضح لنا أن الحالةَ هنا تتجاوز الإستقبال بالأذن بل و الإدراكَ بالعقل ,إنها أعمقُ من هذا, إنه الإنصات و الإصغاء, التركيز و التفاعُل. إستقبال,فهم,تحليل,إدراكٌ لما بين السطور وإستيعابٌ لما وراء الكلِمات. فقط عندما نكون في هذا الحال ونحنُ نتلقي ما يبثُ إلي عقولِنا عبر أسماعِنا و أبصارِنا نكون تحت مظلةِ حمايةِ من عقولِنا التي تنقي وتنقح ما يُمَرُر إلينا. ثُم إختيار الزمن المضارع , كلنا يعرف أن المضارع هو الإستمرارية, فلم يأتِ اللفظ إستمعوا وإنما جاء في حال المضارعة ليدل علي أنهم دائما ما ينصتون في حال التلقي.

نأتي بعدها للفظةِ القول
إنها ليست قولاً ليست منكرةً لتدل علي العموم, لكنها معرفةٌ تدل علي خصوص, لأنهم هم نفسهم من قال فيهم عز و جل "الذين هم عن اللغو معرضون".ان تعريف لفظةِ قولٍ هنا جاء ليدل علي أهميةِ هذا القول و أنه مضادٌ اللغو. فهم يستمعون - بكل معني الإستماع- فقط لما ينفعُ من الحديث ويُعرِضون عن ما لاطائل من وراءه من الكلام. إنظروا لعظمةِ ألفاظِ القراّن الكريم. هم ينصتون و يصغون ويعقلون بكل جوارِحهم ولكن فقط للقول الحسن وليس للغط الحديث فتخيلوا حجم الإستفادة لشخصِ لا يضيعُ وقته قط في سماع -ناهيك عن قول- ما لا فائدة من وراءه بل إنه-ذاك الشخص- يعطي كل مايملك من فهمٍ و إدراك ليعي خير الحديث.

ثم كلمة فَيَتَّبِعُونَ
ف- يا الله- الفاء دوناً عن كل حروف العطف. كلنا أيضا يعرف معني الفاء في حروفِ العطف. السرعة, المتابعة , لا فارق زمني تقريباً بين الحدثِ المعطوف وذاك المعطوفِ عليه. إنهم يستمعون, يدرِكون, فإذا ما إطمئنت قلوبُهُم لما إستمعوا من خير الحديث , بادروا بالتنفيذ فوراً بلا تلكأٍ ولا إبطاء.لا وقت لقياس المصالح, لا وقت للتفكير في منفعةٍ زائلة. لا خوف من إتباع ما أدركوا أنه صواب, لا تردد.

فَيَتَّبِعُونَ , يَتَبِع, ليست يَتبَع برغم أنهما نفس الحروف في نفس الترتيب ولكنها روعةُ لغةِ القراّن, العربيةُ التي ننتمي إليها ونحنُ عليها وصمةُ عار. يتبع بفتحِ الياء و التاء وكسرِ الباء هي صيغةٌ أدقُ و أقوي تعبيراً من نفس معني يتبع بفتح الياء وتسكين التاء و فتح الباء. كلتاهما تعني السير علي درب و إتخاذ المسلك الذي أخذهُ المُتَبع (إسمُ الفاعل). لكن الإتِباع من لفظةِ إتبع وليس من تبع . الإتباع يكون أغلب ما يكون للإمام, لننظر إلي المعني القراّني في ظل هذه الحقيقة. إن المولي سبحانه يصوِرُ لنا حال هؤلاء بأنهم عندما يستمعون فيدركون فيتبعون, فكأنما ما إستمعوه من هّدي الحديث أصبح إماماً لهم. يطيعونه بكل حذافيرِه و بصغِيريه قبل كبيرِه.

سبحان الله العظيم, أربعُ لفظاتِ هن الدقةُ التامة في التعبير و البلاغة المطلقة و أقصي ما يمكن أن يدرك بشر من جمال تركيب كلمات.
صدق الله العظيم.

Tuesday, October 28, 2008

سحابةٌ سوداء

حالة غريبة من الملل تنتابني هذه الأيام. أشعر بها تغزو روحي, تتسلل عبر ثنايا عقلي وحنايا نفسي كسمٍ ناقع. احسها تجذبني بعيداً رويدأً رويدأً لأصل إلي مكانٍ مجهول, لم تطأه قدما بشر من قبل, وهناك ستظهر لي وجهها الحقيقي , وجه مارد يأس قاتل. لتفتك بي في ظلمات نفسي ,هناك بعيداً ن كل من أستطيع الإستغاثة به. أعلم أن هذا ما سوف يحدث أستشعر مقدمها في نخاع عظامي, لكني عاجزٌ عن المقاومة غيرُ راغبٍ فيها. مستسلم لما هو أتٍ بلا إرداةٍ للنجاة, حتي ولو في صورة صرخة إستنجاد قبل أن يغيب عن ناظريَ كل ما أستطيع التشبث به لأبقي هنا لأبقي حياً.
يقولون أن هناك موت للمخ, وهناك الموت الذي نعرفه جميعاً أو الموت الإكلينيكي كما يسميه الطب. و بالقياس فلابد أن نعتقد في وجود نوع من أنواع موت الروح, موت الإرادة , موت النفس. لا أدري أيها أصح تسميةً, فليسمها كُلٌ بما شاء, لكنها بالتأكيد حالة وفاة.

شئ ما بداخلي يحتضر, ربما ينتحر, ربما يُقتَل الأن بينما أتكلم, لكني.. لا أبالي..

Monday, December 18, 2006

..ما كان.. ما هو كائن.. وماذا سوف يكون؟؟ محاولةٌ لإستقراء حاضر..واستشفاف مستقبل

إن ما يحدث حولنا الأن هو عملية قلب -بل إنقلاب- علي الموازين.. فما كان بالأمس القريب كسراً للقاعدة ونشوزاً عن المألوف أصبح اليوم هو المقبول بل والمتوقع و المنتظر. وأصبح الخروج عن الخروج علي القاعدة هو الشذوذ و الإختلاف غير المقبول ولا أبالغ إذا قلت بل و غير المفهومِ أيضاً..وكأن الناس تبدلت أو بالأحري إستُبدلت بقوم أخرين أتوا حاملين معهم معتقداتهم وارآءهم و نظرتهم للحياة وفلسفتهمُ التي لاتمت بصلة لما كانت عليه فلسفة من كانوا قبلهم.. وقبل أن أتهم بأني أدافع عن أرآء القدامي و أحمي حمي التقاليد.. وقبل أن يُعتقدُ أني أناقش تلك القضية البالية لتناقض الجديد مع القديم ورفض حاضرِنا لماضينا ونبذهِ له - كأنه مومس تتخلص من ماضيها بعد توبة - قبل كل هذا , أنفي عن نفسي هذه التهمة -وهي شرفُ لا أدعيه- فأقول, أني هنا أريد فقط أن ننظر إلي الأممِ من حولنا لنرى هل ما نحن فيه من إنقطاع صلةٍ لنا بالماضي -مع عِظَمْهِ قيمةً وحجماً- هل يعتبر هذا الإنقطاع وضعاً طبيعياً؟!! هل هي مرحلةٌ لا محيص من المرور بها في طريق تقدم الأمم والشعوب؟!! هل من نعتبرهم نحن الأن مُثلاً عليا و نجوماً دُريةً نهتدي بها, هل مروا بمرحلةِ الإنسلاخ التاريخي و التجرد من الهوية التي نمر بها الأن؟!! إذا كان هذا هو سبيلُنا الوحيد و الأوحد للتقدم و السير علي درب النمو, فتباً لتاريخنا بأكمله ولنكن أبناء يومٍ جديد. لم نر شمساً من قبل ولم نتنسم سوي تلكم الأنفاس التي أخذنها مذ إتخذنا قرارنا بأن نولد مرة أخري , بلا هوية بلا عنوان بلا إسم ولا علم ولا خبرةٍ من أي نوع.

إن ما نحن فيه الأن من تغير وتبدل في كل شئ وفي كل مجال وعلي كل مستواً هو نتاج طبيعي لجيل -بل عدة أجيال-جاءت إلي الدنيا لتجدنا هنا وهم هناك؛ جاءت لتجد أبائها بل وأجدادها قد أصابهم الجمود..توقفوا عن النمو والتطور اللذان هما سمة طبيعية في كل أمم الأرض. جائوا ليجدوا سنة الله معطلةً في أمتهم.. فلا نمو ولاتقدم ولا تطور..بل جمود وركود وتخلفٌ عن الركب..ونظروا إلي الضفة الأخرى فإنبهروا وإتسعت أعينهم دهشةً وحارت عقولهم في البحث عن سر هذه الفجوة وسبب تلك الهوة الساحقة التي تفصل مابين هنا -حيث يقبع أبائهم يجترون ماضياً ولي- وهناك حيث البهرج والزخرف, بل وحيث التقدم والنمو يمضيان علي قدم وساق كما سن الله في أرضه. هنا قد ينبري أحدهم ليقول -وله بعض الحقٍِ لا كله- أن هؤلاء الذين يرفلون في النعيم هناك ويخرجون علي الدنيا بجديد في كل لحظة.. قد قاموا علي أكتاف أجدادنا؛ علي علومهم و معرفتهم وتجارتهم.. بل وجاؤا إلي هنا ليستنفذوا كل خيرات أرضنا وعقولنا..وأن هذا هو سبب ماهم فيه اليوم ومانحن فيه أيضاً.وهنا أجيب, قطعا هم تعلموا من أجدادنا و بنوا مملكتهم علي أكتاف وعقول بل و أموال أجدادنا.. ولكن لاتحدثني عن هذا الأن.. ولا تتوقع من إبنك الشاب فهمه وإدراكه.. ولا تنتظر من إبنتك الشابة أن تعيَ و تقدر مثل هذا الحديث.. فهم -شبابنا- وأنا منهم - قد فتحوا أعينهم علي هذي الحياة ليجدونا هنا وهم هناك علي بعد قرونٍِِ من العلم والمعرفة والتطور..وكان لابد لهذا الشباب أن ينبهر وأن ينجذب وأن يتسأل , ثم يسخط ويغضب ويرفض, فيقُابل بالأستنكار ويُقَابَلُ سؤاله بألف حصار وغضبُه بغضب وسخطه بسخط..ولا يجد اللين إلا هناك ولا يجد المنطق والفهم إلا هناك ولا يجد إجابةً إلا تلك المقدمة من هناك مهما تكن ملفقةً مزورةً مزيفةَ..فيقبلها، ويأخذ من هناك ويتعلم من هناك ويتربي من هناك وتبني ثقافتة وفلسفتة علي أيديهم وتحت أعينهم.. شبابنا ليس مخطأ. وإن كان ,فخطأه الوحيد هو أنه أخذ أسهل الإجابات وأكثرها إتاحة وظهوراَ ولم يجهد نفسه في البحث ليصل إلي حق ويقين.وبعد كل هذا نتسال في غباء لمَ يتجه شبابنا إليهم؟ لمَ يؤمنون بهم؟ لمَ أصبح الأب أو الأم منا ينظر إلي ولده أو بنته فيجد نسخة حية من ذاك الفتي وتلك الفتاة الذان شاهدهما بالأمس في فيلم السهرة "الأجنبي" .و الإجابة, شبابنا ببساطة لم يجد بديلا هنا فأخذ المعروض من هناك.. بكل مايحويه العسل من سمِ زعاف.